سام برس
لم يكن "تفاهم إسلام آباد"، المبرم برعاية باكستانية في السابع عشر من يونيو الماضي، سوى "تهدئة مؤقتة" فرضتها حاجة الطرفين لالتقاط الأنفاس ، أكثر من كونه تسوية مستدامة. فالإرهاصات الجيوسياسية ليلة البارحة وصباح الأربعاء تؤكد أن الإقليم قد تجاوز رسمياً مرحلة "إدارة التوتر" والدبلوماسية الخلفية ، لينزلق إلى مواجهة مباشرة وعنيفة، تضع معادلات الردع الدولي والإقليمي على حافة الانفجار الشامل.

• أولاً: تشريح السقوط.. صراع الدبلوماسية الإكراهية والردع غير المتماثل
تأسس "تفاهم إسلام آباد" على معادلة مقايضة هشة: (هدنة لـ 60 يوماً تضمن حرية الملاحة وفتح مضيق هرمز، مقابل رفع جزئي للحصار البحري وتسهيلات مالية لإيران)، إلا أن هذا التفاهم حمل بذور فنائه في أحشائه لسببين بنيويين:
- المقاربة الأمريكية القائمة على "الضغط الأقصى": حاولت واشنطن استغلال الهدنة كأداة لفرض "دبلوماسية إكراهية"، عبر الحفاظ على سيف العقوبات والتحكم في التدفقات المالية الموعودة كأوراق ابتزاز مستمر.
- الحسابات السيادية لطهران: رأت إيران في السلوك الأمريكي تراجعاً عن الالتزامات الاقتصادية ومحاولة لتجريدها من أوراق قوتها دون مقابل حقيقي. ومع إدراك طهران أن الإدارة الأمريكية الحالية تستخدم عامل الوقت لإعادة ترتيب انتشارها العسكري، اتخذت قراراً بقطع قنوات التفاوض، معلنةً تفضيل خيار "المواجهة النشطة" على "الاستسلام التدريجي".

• ثانياً: المنظور العسكري.. ضربات "بندر عباس" وتكتيك "التحريم البحري"
شكلت الغارات الامريكية ليلة البارحة، والتي استهدفت الساحل الإيراني والجزر المحيطة بمضيق هرمز (بندر عباس وسيريك) لسبع ساعات متواصلة، محاولة أمريكية لإعادة فرض خطوط حمراء بالغة الصرامة.
منظور التكتيك العسكري للضربات يكشف عن الآتي:
- استهداف شبكات الإنذار المبكر والدفاع الساحلي: ركّز القصف على الرادارات الساحلية ومنصات الصواريخ ومخازن المسيرات التابعة للحرس الثوري، بهدف تحييد قدرات إيران على فرض "التحريم البحري".
- الحصار البحري الشامل: إعلان البنتاغون إغلاق الموانئ الإيرانية عسكرياً بمشاركة أكثر من عشرين مدمرة وحاملة طائرات، يمثل انتقالة من "العقوبات الاقتصادية" إلى "الحصار الحربي الفعلي"، وهو تكتيك حربي يضع القوة البحرية الأمريكية في مواجهة مباشرة مع أي حركة ملاحة إيرانية.

• ثالثاً: الرد الإيراني.. عولمة كلفة الصراع واستراتيجية الرد الفوري
جاء رد الحرس الثوري الإيراني صباح اليوم الأربعاء ليعيد صياغة قواعد الاشتباك متجاوزاً مفهوم "الصبر الاستراتيجي" إلى "الرد الفوري والناجز" عبر مسارين:
1. المعادلة الصفرية للطاقة: إعلان إغلاق مضيق هرمز بالكامل مع ترسيخ قاعدة: "تصدير النفط والغاز من المنطقة سيكون متاحاً للجميع أو لن يحصل عليه أحد". هذه المعادلة تنقل الأزمة من إطارها الإقليمي الثنائي إلى أزمة أمن طاقة عالمية تضغط مباشرة على الأسواق الغربية والآسيوية.
2. استهداف القواعد الأمريكية الإقليمية: توجيه ضربات صاروخية لمنشآت تواجد الجيش الأمريكي في *البحرين والكويت* يمثل تحولاً خطيراً؛ فهو يهدف إلى تقويض العمق العملياتي للقوات الأمريكية، وإرسال رسالة صارمة للدول المضيفة بأن جغرافيتها لن تكون بمنأى عن كلفة الصراع إذا انطلقت منها الأعمال العدائية.
• رابعاً: سقطة ترامب التكتيكية وشرعنة السيادة الإيرانية على هرمز
يمثل تراجع الرئيس دونالد ترامب صباح اليوم عن مقترح فرض "رسوم مرور" بنسبة 20% على السفن التجارية العابرة لمضيق هرمز تراجعاً ستراتيجياً بالغ الدلالة. وجاء هذا التراجع بعد اتصالات خليجية عاجلة نبهت إلى أن هذا المقترح يعطي مبرراً لضرب الاقتصاد العالمي ويخلق أزمة ثقة بين واشنطن وحلفائها.
• التحليل القانوني والسياسي :
- تكمن الهزيمة الدبلوماسية لواشنطن في التقاط طهران السريع لهذا المقترح؛ حيث نجح وزير الخارجية عباس عراقجي في تحويله إلى ورقة قانونية لصالح بلاده بالقول: "إن واشنطن بمقترحها هذا اعترفت ضمنياً بمبدأ فرض الرسوم، ومن يُؤمّن المضيق تاريخياً وقانونياً (إيران) هو الأحق بتلك العوائد".
- وبذلك، شرعن مقترح ترامب -عن غير قصد- المطالب الإيرانية بالسيادة والتحكم في المضيق، مفككاً الرواية الأمريكية التقليدية التي تدافع عن "حرية الملاحة الدولية" بموجب القانون الدولي للبحار.

• خامساً: جبهة البحر الأحمر.. "الكماشة البحرية المزدوجة"
تكتسب التطورات في البحر الأحمر ومضيق باب المندب بعداً استراتيجياً مقلقاً، خاصة مع رصد هبوط طائرة تابعة لشركة "ماهان إير" الإيرانية في مطار صنعاء قبل يومين. هذا التطور اللوجستي يشير بوضوح إلى احتمال تفعيل **"الكماشة البحرية المزدوجة".
إن التنسيق المتزامن لإغلاق مضيق هرمز (الخليج العربي) ومضيق باب المندب (البحر الأحمر) يعني عملياً:
- شلل تام لـ 30% من حركة التجارة والطاقة العالمية.

- قطع خطوط الإمداد الحيوية الرابطة بين الشرق (آسيا) والغرب (أوروبا وأمريكا) دون الحاجة لخوض حرب جيوش تقليدية واسعة.
- دفع الاقتصاد الدولي نحو ركود تضخمي فوري لا يمكن للقوى الغربية تحمل تبعاته السياسية والاجتماعية.

• سادساً: السيناريوهات المستقبلية لـ "ساعة الصفر"
تقف المنطقة اليوم أمام ثلاثة مسارات استراتيجية حاسمة:

1. سيناريو الصدام العسكري الشامل (الانفجار الكبير)
أن تنزلق الأطراف إلى مواجهة بحرية وصاروخية مفتوحة تمتد لتشمل حقول النفط ، القواعد الأمريكية في المنطقة، والعمق الإيراني.

هذا السيناريو ستكون كلفته الاقتصادية والأمنية كارثية على الاستقرار الدولي ، وقد يفرض تدخل قوى دولية كبرى (كصين وروسيا) لحماية مصالحها الحيوية في مياه الخليج.

2. سيناريو الاستنزاف الهجين (حرب الممرات والمسيرات) - الأكثر ترجيحاً
تجنب الحرب الشاملة المباشرة، والاستعاضة عنها بحروب استنزاف بحرية واقتصادية طويلة الأمد؛ تشمل احتجاز السفن، الضربات المسيرة المتقطعة، وتفعيل جبهة البحر الأحمر وباب المندب بشكل مستمر. هذا المسار يهدف إلى رفع أسعار النفط والتأمين البحري بشكل تدريجي للضغط على صانع القرار الغربي.

3. سيناريو "ردع الهاوية" والوساطة الإجبارية تحت النار
رغم إعلان طهران إغلاق أبواب التفاوض لقطع الطريق على الابتزاز الأمريكي، إلا أن وصول الطرفين إلى حافة الصدام الشامل قد يدفع بوسطاء إقليميين ودوليين (كباكستان أو سلطنة عمان) لطرح صيغة تفاوضية جديدة. هذا السيناريو لن يكتب له النجاح إلا إذا قدمت واشنطن تنازلات حقيقية وملموسة تضمن كسر الحصار الاقتصادي عن إيران، وهو ما ترفضه الإدارة الأمريكية الحالية حتى الآن.
خلاصة القول :
إن انهيار "تفاهم إسلام آباد" لم يكن حدثاً عابراً، بل هو إعلان رسمي عن فشل حلول التهدئة المؤقتة والمسكنات الدبلوماسية. المنطقة اليوم تقف وجهاً لوجه أمام معادلة صراع إرادات صفري: إما قبول المجتمع الدولي بصيغة أمنية إقليمية جديدة تعترف بموازين القوى الراهنة، أو الذهاب نحو مغامرة عسكرية مجهولة العواقب تعيد صياغة جغرافيا المنطقة بالنار.

حول الموقع

سام برس