سام برس
• المُقَدِّمَةُ
تتجلى عظمة الشعر العربي حين يمتزج وجدان الشاعر بقضايا أمته، وترتفع تطلعاته فوق زخارف الدنيا ومفاتنها الفانية. وفي هذه القصيدة البديعة، ينسج قلم الأديب والكاتب الكبير العميد القاضي الدكتور حسن الرصابي، مأثرة وجدانية تجمع بين رقة الغزل وعنفوان الحماسة، مستعيراً رمزية "المهاة" و"السلاح" ليعلن انحيازه التام لخيار الكرامة والدفاع عن الحياض. صِيغت هذه الأبيات على "بحر الوافر"، وهو بحر تميز بمرونته الموسيقية القادرة على الجمع بين عذوبة البوح وجزالة الفخر، لتأتي القصيدة لوحة متكاملة تنبض بالإباء والشرف.

• أَبْيَاتُ القَصِيدَةِ
من دِيوَان: صولات القوافي (2016م)

لِلشَّاعِرِ المَجِيدِ: د. حَسَنِ الرَّصَابِيِّ

1. دَنَتْ مِني مَهَاةُ الحَيِّ تَسْعَى ... وَتَسْأَلُ: هَلْ تَذُوبُ بِمُقْلَتَيَّا؟
2. فَقُلْتُ: نَأَيْتُ بِالوِجْدَانِ عَمَّنْ ... يَرَى فِي الكُحْلِ وَالوَجَنَاتِ رَيَّا
3. وَلَكِنِّي أَهِيمُ بِقَلْبِ حُرٍّ ... يَخُوضُ المَوْتَ مَبْسُومًا جَرِيَّا
4. فَقَالَتْ لِي: عَرَفْتُكَ، لَسْتَ تَرْضَى ... سِوَى الرَّشَّاشِ مَعْشُوقًا لَدَيَّا
5. تَعَجَّبَتِ المهَاةُ وَقَالَتْ: أَنَّى ... تُفَضِّلُ دِرْعَ حَرْبٍ أَوْ صَفِيَّا؟
6. فَقُلْتُ لَهَا: تُرَابُ الأَرْضِ عِنْدِي ... أَعَزُّ مِنَ اللَّآلِئِ عَسْجَدِيَّا
7. أَرَى بَارُودَ مَعْرَكَتِي عَبِيرًا ... يَفُوقُ مَحَاسِنَ الدُّنْيَا شَذِيَّا
8. وَصَوْتُ الرَّاشِقَاتِ إِذَا تَعَالَى ... يَفُوقُ بِعَزْفِهِ شَدْوًا نَدِيَّا
9. عَشِقْتُ ثَرَى العَرُوبَةِ مُسْتَهَامًا ... وَقَدَّمْتُ الدِّمَاءَ لَهَا هَدِيَّا
10. صَدَدْتُ جُيُوشَ مَنْ يَبْغِي عُلُوًّا ... وَقَدْ عَفَّتْ خُطَايَ عَنِ الدَّنِيَّا
11. وَلَمْ أَخْضَعْ لِجَبَّارٍ عَنِيدٍ ... وَلَمْ أَكُ فِي الوَغَى يَوْمًا نَسِيَّا
12. فَإِمَّا نَصْرُ مَجْدٍ نَرْتَقِيهِ ... وَإِمَّا المَوْتُ مَقْبُولاً رَضِيَّا
13. حَيَاةُ العِزِّ تَبْنِيهَا نُفُوسٌ ... تَصُونُ الحَقَّ وَالعَهْدَ الوَفِيَّا
14. فَقَالَتْ: يَا ابْنَ مَجْدٍ لَا يُبَاهَى ... لَقَدْ أَلْبَسْتَنِي شَرَفًا سَنِيَّا
15. أَنَا بِنْتُ الأُبَاةِ وَسَوْفَ أَمْشِي ... عَلَى دَرْبِ الفِدَا مَعَكَ مَلِيَّا
• التَّحْلِيلُ وَالنَّقْدُ الأَدَبِيُّ
1. الرؤية الفنية والرمزية (الفكرة والمضمون):
تنهض القصيدة على ثنائية (الحب والحرب)، أو (الجمال الفاني والمجد الخالد). يبدأ الشاعر الرصابي بحوارية رشيقة بين الذات الشاعرة و"مهاة الحي"، حيث يطرح الغزل التقليدي كخيار متاح، لكنه يترفع عنه لصالح عشق أسمى؛ عشق "الرشاش" والذود عن حمى الوطن. هذا التحول من الخاص إلى العام، ومن الأنثى إلى الأرض، يمنح النص بُعداً قيمياً وأخلاقياً رفيعاً، ويخرجه من دائرة العاطفة الذاتية الضيقة إلى آفاق الفداء والبطولة والعروبة.
2. البناء العروضي والموسيقي:
- البحر: جرى النظم على "بحر الوافر" ومفتاحه: (مفاعلتن مفاعلتن فعولن) ، وهو اختيار عبقري، فالوافر بحر يتسم بالقوة والتدفق الإيقاعي الذي يناسب طبول الحرب وعزف الرصاص، وفي الوقت ذاته يحمل ليونة نغمية تلاءم الحوار العاطفي في مستهل القصيدة.
- القافية: جاءت القافية موحدة بروي "الياء المشددة المفتوحة المتبوعة بألف الإطلاق"، وهي قافية صعبة تتطلب ثراءً لغوياً واسعاً حتى لا يقع الشاعر في التكرار أو التكلف، وقد برع الدكتور حسن الرصابي في ترويضها لتنساب عذبة بمرونة وانسيابية عالية (مقلتيّا، ريّا، جريّا، لديّا...).
3. البلاغة والصور الجمالية:
- المجاز والتشبيه: برع الشاعر في قلب الموازين الحسية؛ فجعل "البارود عبيراً يفوق محاسن الدنيا شذى"، وجعل "صوت الراشقات أحب من الشدو الندي"، وهي تشبيهات مبتكرة تنقل المتلقي من رهبة السلاح إلى جمالية التضحية.
- الطباق والمقابلة: تبرز المقابلة الفلسفية العميقة في قوله: "فإما نصر مجدٍ نرتقيهِ / وإما الموت مقبولاً رضيّا"، وهي ثنائية الفارس التي لا خيار ثالث لها.
• الخَـاتِـمَــةُ
تُعد هذه القصيدة إضافة نوعية لقصائد الحماسة والإباء في الشعر العربي المعاصر. لقد استطاع العميد الدكتور حسن حسين الرصابي من خلال جزالة أسلوبه، وعمق فكرته، ورشاقة الحوار بين الفارس والمهاة، أن يقدم معلقة فدائية تفيض شرفاً وكرامة، وتؤكد مجدداً أن الكلمة الصادقة هي الرصاصة الأولى في خنادق الدفاع عن الكرامة والوجود. إن هذا النص يتجاوز حدود الوصف العابر ليكون وثيقة أدبية ووجدانية تؤصل لمفهوم الهوية والذود عن الثرى العربي، حيث يتحول الحرف على يد الشاعر إلى درع وسيف، وتغدو القصيدة بأكملها بياناً شعرياً صارماً يعيد ترتيب الأولويات الإنسانية في زمن الأزمات، مرجحاً كفة الذود عن الحياض على مباهج الحياة الفانية. دامت هذه القريحة الوطنية الفذة نابضة بالحب والجهاد والجمال الأدبي الرفيع.

حول الموقع

سام برس