بقلم / عادل حويس
يمثل خريجو الجامعات اليمنية ثروة وطنية كبرى وحجر الأساس الذي يرتكز عليه في بناء الحاضر وصياغة معالم المستقبل فهؤلاء الشباب والشابات هم عماد التنمية الحقيقي ووقود مرحلة إعادة الإعمار التي ينتظرها الوطن.
غير أن هذا الواقع المبشر يصطدم بتساؤل جوهري يطرح نفسه بإلحاح شديد في الأوساط الأكاديمية والاجتماعية على حد سواء: هل يحصل هؤلاء الشباب بعد سنوات الكفاح والتحصيل على الفرصة الحقيقية للتطبيق العملي لما تعلموه؟ إن الواقع المعاش يكشف عن فجوة تتسع يوما بعد يوم بين المناهج التي يستغرق الطالب في دراستها سنوات طوالا خلف مقاعد الدراسة وبين المتطلبات الواقعية لسوق العمل الذي بات يبحث عن "الخبرة العملية" كشرط أساسي ويضعها في مرتبة تسبق "الشهادة النظرية" وهو ما يضعنا أمام مفارقة مؤلمة كم من خريج متميز حصل على شهادته بمرتبة الشرف لكن ضاعت عليه فرصة التدريب والممارسة فتحولت طاقته إلى طاقة معطلة.
وتتجلى أبعاد هذه الإشكالية عندما نرى جامعاتنا وهي تضخ سنويا آلاف الخريجين في مختلف التخصصات الهندسية والطبية والإدارية والعلمية ليفاجأ أغلبهم بواقع مرير وجدار مصمت يكتب عليه دائما: "مطلوب خبرة لا تقل عن سنوات".
في هذه اللحظة يقف الخريج متسائلا بكثير من الأسى: كيف لي أن أكتسب الخبرة إذا كانت كل الأبواب مغلقة في وجهي لأنني لا أملكها؟ لقد قضى هذا الشاب أربع أو خمس سنوات في التحصيل النظري الصرف لكنه لم يلمس واقع العمل الحقيقي ولم يمنح فرصة التدريب في مؤسسة حكومية أو شركة خاصة.
وتكون النتيجة الحتمية لهذا الخلل هي البطالة المقنعة والإحباط النفسي وهدر فادح لطاقة بشرية وعلمية أنفقت عليها الدولة والأسر مبالغ طائلة في حين أن التطبيق العملي لم يعد ترفا علميا أو خيارا ثانويا بل هو الركيزة الأساسية والوحيدة التي تحول العلوم النظرية الصامتة إلى إنتاج حقيقي ملموس يخدم المجتمع ويدفع بعجلة الاقتصاد إلى الأمام.
أمام هذا المشهد المأزوم يبرز تساؤل مشروع وموجه مباشرة إلى القطاعين العام والخاص على حد سواء أين هو الدور الوطني والمسؤولية المجتمعية للمؤسسات؟ هل تولي مؤسسات الدولة وهيئاتها الحكومية الاهتمام الكافي لاستيعاب هؤلاء الخريجين وتدريبهم أم أنها تكتفي بدور المتفرج؟ وفي المقابل هل يقوم القطاع الخاص بدوره المأمول في فتح أبوابه للشباب وتأهيلهم وصقل مهاراتهم بدلا من اتخاذ موقف مريح يقتصر على البحث عن الكوادر "الجاهزة وذات الخبرة الطويلة"؟ إن التدريب في الجهات الحكومية والخاصة يجب ألا ينظر إليه بعد اليوم كمنة أو خيار طوعي بل هو واجب وطني مقدس وفرض عين على كل منشأة فالمؤسسة التي ترفض تدريب خريج اليوم ويوصد مدراؤها الأبواب في وجهه هي نفسها المؤسسة التي ستشتكي غدا ولن تجد كفاءات وطنية تقود مسيرتها والجامعة التي تكتفي بالتلقين وتخريج الطلاب دون بناء شراكة حقيقية ومتينة مع سوق العمل إنما تقدم للمجتمع منتجا ناقصا لا يقوى على المنافسة.
إن الخروج من هذا النفق المظلم يقتضي صياغة رؤية وطنية واضحة المعالم تبدأ من الآن وتقوم على مسارات متوازية أولها إقرار إلزامية التدريب عبر تشريعات واضحة تلزم كل وزارة ومؤسسة وشركة بتخصيص نسبة مئوية محددة من مقاعدها سنويا لاستيعاب الخريجين الجدد وتدريبهم.
والمسار الثاني يتمثل في إعادة صياغة العلاقة بين الجامعة والعمل من خلال إدراج التدريب الميداني كمتطلب إجباري لا يتجزأ من المنهج الدراسي بحيث لا يمنح الطالب شهادته الجامعية إلا بعد قضاء ستة أشهر على الأقل من الممارسة العملية في الميدان.
أما المسار الثالث فيرتكز على تقديم حوافز وتسهيلات وميزات تفضيلية للشركات ومؤسسات القطاع الخاص التي تبادر إلى استيعاب وتدريب الخريجين اليمنيين وتحمل مع الدولة جزءا من هذا العبء الوطني.
إن أبناءنا الشباب والشابات ليسوا مجرد أرقام في إحصائيات التخرج بل هم أمانة غالية في أعناقنا جميعا والاستثمار في تدريبهم وتأهيلهم هو استثمار مباشر ومضمون في مستقبل هذا الوطن واستقراره.
فلن تتحقق التنمية المنشودة ولن يرتفع بنيان الوطن بشهادات كرتونية معلقة على الجدران بل بأياد مدربة غمرها عرق الميدان وعقول واعية مارست وعملت وطبقت ما تعلمته على أرض الواقع.
إن التطبيق العملي هو الروح التي تحيي جسد العلوم النظرية ومن حق خريجينا الأوفياء على مؤسساتنا الوطنية أن تمنحهم الفرصة كاملة وغير منقوصة ليثبتوا للعالم أجمع أنهم قادرون على البناء والعطاء والتميز فهل نبدأ في تصحيح هذا المسار اليوم بجرأة ومسؤولية أم ننتظر حتى تضيع منا ومن الوطن دفعة جديدة من الكفاءات والآمال العريضة؟


























