سام برس
تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات جيوسياسية متسارعة تضع أمن الطاقة العالمي وحركة التجارة الدولية على حافة هاوية غير مسبوقة. وفي ظل تصاعد حدة التهديدات المتبادلة بين التحالفات الغربية بقيادة واشنطن ومحور المقاومة الإقليمي المدعوم من إيران، تتجه الأنظار صوب مضيق باب المندب، الذي بات يشكل نقطة الارتكاز الأخطر في معادلة الردع الاستراتيجي الراهنة.
• التخبط الدبلوماسي والبروبغندا الهجومية
يتسم المشهد الراهن بحالة حادة من التخبط والتناقض في مواقف وتصريحات القيادة الغربية؛ إذ يطغى عليها أسلوب "البروبغندا" والتهديدات الاستعراضية المتسارعة التي تتأرجح بين التلويح بضربات ساحقة للبنية التحتية، وفرض رسوم ومكوس بحرية تعجيزية، ثم التراجع عنها فجأة لصالح صفقات بديلة. هذا التذبذب الحاد بين إعلان الاتفاقيات والتراجع عنها في غضون ساعات، يظهر بوضوح غياب الرؤية الاستراتيجية الموحدة وعجز الإدارة الدولية عن مجاراة النفس الطويل والهدوء العسكري للأطراف الإقليمية.
إن إصرار الرئاسة الغربية على تسويق "الانتصارات الوهمية" عبر منصات الإعلام، والادعاء بقدرتها منفردة على إدارة المضايق وفرض الإرادة الدولية، يصطدم بواقع ميداني معقد يكشف أن هذه التصريحات الحماسية لا تتعدى كونها استهلاكاً محلياً وتغطية على العجز عن اتخاذ قرار حاسم، لا سيما مع تآكل غطاء الشرعية الدولية للتحالفات المائية التي باتت محل شكوك حتى لدى حلفائها التقليديين.
• الاستنفار عند المضيق: شريان الملاحة وحرب التأمين البحري
تتواتر التقارير الدولية حول وصول التعزيزات العسكرية واللوجستية في السواحل اليمنية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن إلى درجاتها القصوى. وتشير مصادر مطلعة إلى أن الاستعدادات الميدانية، التي تشمل منظومات صاروخية متطورة وطائرات مسيرة، باتت جاهزة للتنفيذ بانتظار الإشارات السياسية النهائية.
هذا التحرك الميداني لا يستهدف السيطرة المحلية فحسب، بل يمثل ورقة ضغط استراتيجية موجهة مباشرة ضد أي محاولات لاستهداف المنشآت الحيوية للقوى الإقليمية الكبرى في المنطقة. ويكمن الخطر الحقيقي في أن مضيق باب المندب يشرف على نحو 40% من حركة التجارة البحرية العالمية ويربط آسيا بأوروبا عبر قناة السويس. إن الخطر هنا لا يقتصر على احتمالات الإغلاق العسكري الكلي، بل يمتد ليشمل "حرب التأمين البحري"؛ حيث تتسبب القفزات الكبيرة في أقساط مخاطر الحرب واضطرار السفن لترجيح خيار الدوران حول "رأس الرجاء الصالح" في فرض ضريبة إضافية باهظة على سلاسل الإمداد وشلل الاقتصاد العالمي.
* معضلة التدخل البري: فخ الاستنزاف والردع غير المتكافئ
في المقابل، تدرس القوى الدولية خيارات عسكرية متعددة للتعامل مع هذا التهديد، تتراوح بين الضربات الجوية المركزة والتلويح بعمليات برية محدودة تستهدف جزر حيوية أو منشآت محصنة تحت الأرض. إلا أن هذه الخيارات تصطدم بجدار من التعقيدات الميدانية التي تجعل من التدخل البري سيناريو محفوفاً بالمخاطر، بل وعملاً تبحث عنه القوى الإقليمية وتستعد له.
وتشير القراءات العسكرية إلى أن العقيدة القتالية للأطراف الإقليمية تعتمد بشكل أساسي على "الحرب غير المتكافئة" واستخدام أسلحة زاهدة التكلفة كالمسيرات والزوارق الانتحارية والغواصات الصغيرة المسيرة أمام بوارج ومنظومات دفاعية تكلف المليارات. هذا النمط التسليحي اللامركزي صُمم خصيصاً لإرباك واستنزاف الجيوش التقليدية الكبرى. إضافة إلى ذلك، فإن الطبيعة الجغرافية الوعرة والمساحات الجبلية الشاسعة تحوّل أي تقدم بري إلى مهمة معقدة لوجستياً، وتجعل من القوات المهاجمة أهدافاً سهلة للكمائن المستمرة.
• دروس التاريخ وعقلية المواجهة المفتوحة
تثبت التجارب التاريخية الحديثة في المنطقة أن التفوق العسكري الجوي لا يضمن حسم المعارك على الأرض، وأن الحروب الطويلة غالباً ما تنتهي بانسحابات اضطرارية دون تحقيق الأهداف الاستراتيجية المرجوة. وما يزيد المشهد تعقيداً هو تصاعد الأصوات الراديكالية داخل دوائر صنع القرار الإقليمية التي تطالب بتبني خيارات تصعيدية غير تقليدية، مثل استهداف وأسر العناصر العسكرية الأجنبية المتواجدة في القواعد المنتشرة بالمنطقة.
إن هذه الطروحات، وإن بدت لبعض المراقبين اندفاعية، تعكس عقلية استراتيجية ترى في المواجهة المباشرة فرصة لكسر الهيبة العسكرية للقوى الدولية وفرض شروط تفاوضية جديدة بالكامل.
* مآلات الأزمة: الدبلوماسية أم الانزلاق نحو المجهول؟
يقف المجتمع الدولي اليوم أمام مشهد معقد؛ حيث تتأرجح الخيارات الدولية بين التصعيد العسكري غير مأمون العواقب، وبين العودة إلى طاولة المفاوضات الدبلوماسية كخيار إجباري لتفادي كارثة اقتصادية وعسكرية شاملة. إن القبول بالشروط الإقليمية الجديدة قد يكون الثمن الذي ستضطر القوى الكبرى لدفعه لتأمين تدفق التجارة العالمية، وإعادة الاستقرار إلى واحد من أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي.


























