بقلم/ يحيى محمد القحطاني
لم يكن اليمن يومًا وطنًا فقيرًا بالإمكانات، بل بلدًا غنيًا بتاريخه وحضارته وموقعه الاستراتيجي وثرواته، والأهم بإنسانه القادر على البناء والإبداع وصناعة المستقبل. لكن عقودًا من الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية حولته إلى ساحةٍ لحروب الآخرين، فتبددت فرص التنمية، وتعثر الاستقرار، وبقي اليمنيون وحدهم يدفعون الثمن، بينما أثقلت تلك الحروب كاهل الوطن وأرهقته.

ولم تكن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962م مجرد تغييرٍ لنظام حكم، بل مشروعًا وطنيًا سعى إلى نقل اليمن من العزلة والتخلف إلى دولة حديثة تقوم على العلم والعدالة وسيادة القانون، ويكون الإنسان فيها محور التنمية وغايتها. وكان حلم الثوار أن تتحول طاقات الشعب إلى مدارس وجامعات ومصانع ومشاريع تنموية، وأن يمتلك اليمن قراره الوطني ويصنع مستقبله. غير أن ذلك المشروع اصطدم بصراعات داخلية وتدخلات إقليمية ودولية رأت في اليمن ساحةً لتصفية الحسابات وتحقيق المصالح.

ومع قيام الوحدة اليمنية عام 1990م، تجدد الأمل في بناء دولة مدنية حديثة تقوم على الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتداول السلمي للسلطة، وتفتح آفاق التنمية والاستقرار أمام جميع اليمنيين. إلا أن الأزمات السياسية والتحالفات القبلية التقليدية أعاقت هذا المسار، ثم جاءت أحداث عام 2011م لتدخل البلاد مرحلة جديدة من الانقسامات والصراعات، أضعفت مؤسسات الدولة ومهدت لتوسع التدخلات الخارجية.

ومع اتساع رقعة المواجهات وتداخل المصالح الإقليمية والدولية، تحولت اليمن إلى ميدان لصراعات متعددة، كانت آثارها كارثية على الأرض والإنسان. فقد دُمرت مدن وقرى، وانهار الاقتصاد، وتراجعت الخدمات الأساسية، واتسعت رقعة الفقر والبطالة، وفقد ملايين اليمنيين مصادر رزقهم وأمنهم، كما انقطعت مرتبات مئات الآلاف من موظفي الدولة منذ سنوات طويلة، فازدادت معاناة الأسر، واضطر كثير من أصحاب الكفاءات إلى الهجرة بحثًا عن حياة أكثر استقرارًا.

ولم تقتصر المأساة على الجانب المادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي؛ إذ حُرم جيل كامل من تعليم مستقر، وتراجعت الرعاية الصحية، وانتشرت ثقافة العنف والسلاح على حساب ثقافة الدولة والقانون، وتعززت الولاءات المناطقية والحزبية والمذهبية الضيقة، مما أضعف روح المواطنة وألحق أضرارًا عميقة بتماسك المجتمع.

وفي الوقت الذي استنزفت فيه موارد ضخمة في الحروب والصراعات، كان اليمن أحوج ما يكون إلى توجيهها نحو بناء المدارس والمستشفيات، وتطوير الزراعة والصناعة، واستثمار الثروات الطبيعية، وتحسين مستوى معيشة المواطن. فالأوطان لا تنهض بكثرة الحروب، وإنما بما تبنيه من علم واقتصاد ومؤسسات. ولو أن جزءًا من تلك الموارد وُجه إلى التنمية، لكان اليمن اليوم في وضع أفضل بكثير.

إن مأساة اليمن ليست في نقص موارده، وإنما في استمرار الصراع الذي عطل طاقاته وأبقى أبناءه أسرى لأزمات متلاحقة. فالأوطان لا تُبنى بالوكالة، ولا تستقر بتعدد الولاءات والمشاريع المتنافسة، وإنما تنهض عندما يكون القرار وطنيًا، وتُقدَّم مصلحة الشعب على كل اعتبار.

لقد آن الأوان أن يتوقف اليمنيون عن دفع فاتورة حروب الآخرين، وأن يستعيدوا حقهم في بناء دولة عادلة وقوية تحفظ كرامة الإنسان، وتصون سيادة الوطن، وتفتح أمام الأجيال طريق العلم والعمل والتنمية.

فاليمن لم يُخلق ليكون ساحةً للصراعات، ولا اليمنيون خُلقوا ليكونوا ضحايا لحروب الآخرين، بل هم شعب عريق يمتلك من التاريخ والحضارة والإمكانات ما يؤهله للنهوض متى توفرت الإرادة الوطنية والدولة القادرة على حماية مصالحه وصناعة مستقبله. لا ساحةً لتصفية حسابات الآخرين.

والله من وراء القصد.

حول الموقع

سام برس