سام برس
تَجَلِّي النُّورِ وَبَشَائِرُ المَوْلِدِ الأَعْظَمِ
(دِرَاسَةٌ توثِيقِيَّةٌ وَنَقْدِيَّةٌ شَامِلَةٌ فِي الْمِعْمَارِ الشِّعْرِيِّ وَالْمَقَاصِدِ الإِيمَانِيَّةِ)
لِلشَّاعِرِ الْقَاضِي الدُّكْتُور / حَسَن حُسَيْن الرَّصَابِي
(مُؤَلِّفُ كِتَابِ "فِي رِحَابِ الْحَبِيبِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ")

أَوَّلاً: مُقَدِّمَةُ النَّصِّ وَالإِحَاطَةُ بِالْمُنَاسَبَةِ
تَأْتِي هَذِهِ الْمَلْحَمَةُ النَّبَوِيَّةُ الرَّصِينَةُ فِي سِيَاقِ التَّعْبِيرِ عَنْ عُلُوِّ الشَّوْقِ وَالإِجْلاَلِ لِشَخْصِ الْمُصْطَفَى صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، لِلشَّاعِرِ وَالأَدِيبِ وَالْمُفَكِّرِ الْعَمِيدِ الرُّكْنِ الْقَاضِي الدُّكْتُور / حَسَن حُسَيْن الرَّصَابِي، وَاحْتِفَاءً بِذِكْرَى مَوْلِدِهِ الشَّرِيفِ الَّتِي تَسْتَكِنُّ فِي أَفْئِدَةِ الأُمَّةِ. وَتَكْتَسِبُ هَذِهِ الأَبْيَاتُ فَرَادَتَهَا وَأَصَالَتَهَا الْبَالِغَةَ كَوْنَهَا نَابِعَةً مِنَ الْقَلَمِ وَالْفِكْرِ اللَّذَيْنِ صَاغَا سَابِقاً السِّفْرَ الْخَالِدَ "فِي رِحَابِ الْحَبِيبِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ"؛ حَيْثُ تَجْتَمِعُ فِي الْقَصِيدَةِ رُوحُ الْفَقِيهِ الْقَاضِي، وَمَهَابَةُ الْقَائِدِ الْعَسْكَرِيِّ، وَرِقَّةُ الشَّاعِرِ الْمُحِبِّ، لِتَنْصَهِرَ جَمِيعُهَا فِي قَالَبٍ شِعْرِيٍّ كِلاَسِيكِيٍّ فَخْمٍ، يَسْتَلْهِمُ رُوحَ التُّرَاثِ وَيُجَسِّدُ ابْتِهَاجَ السَّاحَاتِ وَالْمُدُنِ بِالنُّورِ الْخَالِدِ.

ثَانِياً: مَتْنُ الْمَلْحَمَةِ الشِّعْرِيَّةِ
[ الْمَطْلَعُ وَالشَّوْقُ الإِيمَانِيُّ ]
- نُورُ التَّجَلِّي عَلَى الآفَاقِ يَبْتَسِمُ • • • وَالشَّوْقُ فِي أَبْحُرِ الأَشْعَارِ يَزْدَحِمُ
- أَبْثَثْتُ وَجْدِي لِخَيْرِ الْخَلْقِ قَاطِبَةً • • • صَبّاً تُعَاطِيهِ كَأْسَ اللَّوْعَةِ الْهِمَمُ
- يَا أَعْظَمَ النَّاسِ أَنَّى يُسْتَطَاعُ ثَنَا • • • وَالْوَحْيُ جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ وَالْقَلَمُ!
[ مِيلَادُ الْهُدَى وَانْقِشَاعُ الظُّلُمَاتِ ]
4. يَا هَاشِمِيّاً جَلاَ عَنْ عَيْنِنَا ظُلَماً • • • فَأَشْرَقَتْ بِنَهَارِ الْحَقِّ إذْ أُمَمُ
5. بُورِكْتَ مِنْ مَوْلِدٍ زَاهٍ بَشَائِرُهُ • • • تَسَاقَطَتْ مِنْ سَنَاهُ الْجُورُ وَالصَّنَمُ
6. تَهَدَّمَتْ حِينَهَا أَرْكَانُ كِسْرَى وَقَدْ • • • خَبَتْ شُعُوبُ الْمَجُوسِ الْبُكْمُ وَالظُّلَمُ
7. هُوَ النَّبِيُّ الَّذِي عَمَّتْ مَكَارِمُهُ • • • لاَ الزَّيْفُ يَغْلِبُهُ يَوْماً وَلاَ التُّهَمُ
[ مَظَاهِرُ ابْتِهَاجِ السَّاحَاتِ وَالْمُدُنِ بِالْمَوْلِدِ الشَّرِيفِ ]
8. وَافَى الْمَوْلِدُ فَاخْضَرَّتْ مَشَارِفُنَا • • • وَاكْتَسَتِ السَّاحَاتُ نُوراً فِيهِ نَنْتَظِمُ
9. وَأَشْرَقَتْ بَلْدَةٌ لِلْمُصْطَفَى شَغَفاً • • • يُحْيِي الْمَلاَيِينَ فِيهَا الشَّوْقُ وَالعَلَمُ
10. زُفَّتْ بِبَهْجَتِهَا أَعْلاَمُ مُعَطَّرَةٌ • • • بِالْخَضْرَةِ الزَّاهِيَاتِ السَّهْلُ وَالْقِمَمُ
11. هَبَّتْ جُمُوعُ الْوَفَا وَالصِّدْقِ شَادِيَةً • • • بِالصَّلَوَاتِ الَّتِي تَهْتَزُّ مِنْهَا الأُمَمُ
12. يَكْسُو الْمَدَائِنَ بَهَاءٌ لاَ شَبِيهَ لَهُ • • • كَأَنَّهَا فَلَكٌ بِالنُّورِ يَخْتَتِمُ
[ شَمَائِلُ الْعَدْلِ وَالْحِكْمَةِ وَتَوْثِيقُ الْكِتَابِ ]
13. بَدْرٌ يَلُوحُ بِنُورِ الْعَدْلِ مُكْتَمِلاً • • • فَالظُّلْمُ يَنْزَاحُ وَالإِنْصَافُ يَحْتَكِمُ
14. أَرْسَى الشَّرِيعَةَ سَمْحاً فِي مَعَالِمِهَا • • • فَلاَ غُلُوٌّ وَلاَ خَوْفٌ وَلاَ أَلَمُ
15. يَا أُسْوَةَ الْحَقِّ فِي حُكْمٍ وَفِي سِيَرٍ • • • مَنْ ذَاقَ نَهْجَكَ كَانَتْ عِنْدَهُ النِّعَمُ
16. سَايَرْتُ رَحْبَكَ فِي الْمَكْتُوبِ مُحْتَفِلاً • • • بَيْنَ "الرِّحَابِ" بِمَا قَدْ سَطَّرَ الْقَلَمُ
17. فَالْكِتَابُ شَاهِدُ حُبٍّ لاَ حُدُودَ لَهُ • • • يُتْلَى عَلَى الْمَلَإِ الْمَيْمُونِ يَنْتَظِمُ
[ رُسُوخُ الْعَهْدِ وَالثَّبَاتُ عَلَى الْمَنّهَجِ ]
18. حُبُّ الرَّسُولِ عِمَادُ الدِّينِ خَالِصَةً • • • بِلاَ نِفَاقٍ وَلاَ زَيْغٍ بِهِ نَدَمُ
19. سِرْنَا عَلَى النَّهْجِ نَرْجُو خَيْرَ عَاقِبَةٍ • • • يَوْمَ الْحِسَابِ إِذَا مَا انْزَاحَتِ التُّخَمُ
20. جِهَادُنَا فِي سَبِيلِ اللهِ مَكْرُمَةٌ • • • وَالصَّبْرُ فِي مِلَّةِ الْمَخْتَارِ يَعْتَصِمُ
21. نَحْمِي الْحِمَى وَبِنُورِ الْحَقِّ نَعْتَلِجُ • • • لاَ نَسْتَكِينُ وَلاَ يُلْوَى لَنَا قَدَمُ
[ الْمَلاَذُ وَالشَّفَاعَةُ يَوْمَ الْمَحْشَرِ ]
22. هُوَ الْمَلاَذُ إِذَا الأَهْوَالُ قَدْ حَشَرَتْ • • • كُلَّ الْخَلاَئِقِ وَالأَقْدَامُ تَضْطَرِمُ
23. إِذْ يُلْجِمُ النَّاسَ مَوْجُ الْخَوْفِ فِي هَلَعٍ • • • وَالرُّسْلُ تَبْهَتُ وَالأَمْلاَكُ تَلْتَجِمُ
24. يَقُولُ "أُمَّتِيَ" الْعُلْيَا وَيَشْفَعُ كَيْ • • • يَحْظَى الْجَمِيعُ بِعَفْوٍ عِنْدَهُ الْكَرَمُ
25. فَيُسْقَى حَوْضَهُ الأَطْهَارُ فِي فَرَحٍ • • • نَخْبَ الشَّفَاعَةِ حَيْثُ الْخَوْفُ يَنْهَدِمُ
[ الْخِتَامُ بِالصَّلاَةِ وَالتَّسْلِيمِ ]
26. صَلَّى عَلَيْكَ إِلهُ الْعَرْشِ مَا سَحَبَتْ • • • ذُيُولَهَا بَيْنَ أَرْجَاءِ السَّمَا الدِّيَمُ
27. وَمَا تَرَنَّمَ حَادٍ فِي الْمَسَاءِ عَلَى • • • سَيْرِ الرِّكَابِ وَمَا أَوْرَى صَفَا الشَّيَمُ
28. وَآلِكَ الصِّيدِ وَالأَصْحَابِ قَاطِبَةً • • • مَا اسْتَبْشَرَ الرَّوْضُ وَاشْتَاقَتْ لَهُ النَّسَمُ
29. صَلاَتُنَا لَمْ تَزَلْ وِرْداً يُعَطِّرُنَا • • • يَطِيبُ فِي ذِكْرِهِ الأَعْطَافُ وَالنَّعَمُ
30. فَاعْمُرْ فُؤَادَكَ بِالتَّسْلِيمِ مُحْتَسِباً • • • فَالْحُبُّ لِلْمُصْطَفَى الْمَأْمُونِ يَعْتَصِمُ

ثَالِثاً: التَّحْلِيلُ الأَدَبِيُّ وَالْمَحْتَوَى الْفِكْرِيُّ
- الْبُعْدُ الْفِكْرِيُّ وَالتَّشْرِيعِيُّ: يُبْرِزُ النَّصُّ فَلْسَفَةَ الرِّسَالَةِ النَّبَوِيَّةِ الْقَائِمَةَ عَلَى "الْعَدْلِ وَالإِقْسَاطِ"؛ فَالنَّبِيُّ لَيْسَ مُجَرَّدَ رَمْزٍ عَاطِفِيٍّ، بَلْ هُوَ وَاضِعُ اللَّبِنَاتِ الأُولَى لِعَدَالَةِ الْقَضَاءِ وَالشَّرِيعَةِ (الْبَيْتَانِ 13 وَ14). وَيَتَجَلَّى هَذَا الْبُعْدُ بِوُضُوحٍ مِنْ خِلاَلِ التَّنَاغُمِ بَيْنَ الصِّفَةِ الْقَضَائِيَّةِ وَالْفِقْهِيَّةِ لِلشَّاعِرِ وَبَيْنَ تَنْزِيهِ الشَّرِيعَةِ مِنَ الْغُلُوِّ وَالْجَوْرِ.
- التَّنَاصُّ وَالتَّضْمِينُ الْبَلاَغِيُّ: يَتَأَلَّقُ النَّصُّ بِتَضْمِينٍ مُحْكَمٍ لِكِتَابِ الشَّاعِرِ (فِي رِحَابِ الْحَبِيبِ الْمُصْطَفَى) فِي الْبَيْتَيْنِ (16 وَ17)؛ إِذْ لَمْ يَأْتِ التَّضْمِينُ قَسْرِيّاً، بَلْ جَاءَ حَلَقَةَ وَصْلٍ بَيْنَ الْفِكْرِ الْمَسْطُورِ وَالْمَشَاعِرِ الْمُنْسَكِبَةِ شِعْراً، مُدْمِجاً بَيْنَ التَّوْثِيقِ الأَكَادِيمِيِّ وَالْوَجْدِ الصَّادِقِ.

- التَّصْوِيرُ الْمَيْدَانِيُّ وَالتَّأْرِيخُ الْوَجْدَانِيُّ: رَسَمَتِ الأَبْيَاتُ (8-12) مَشْهَداً حَيّاً لِلاِحْتِفَالِ الْمِلْيُونِيِّ فِي السَّاحَاتِ وَالْمُدُنِ، مُجَسِّدَةً تَحَوُّلَ الْجُغْرَافِيَا وَالْمَنَارَاتِ إِلَى حُقُولٍ خَضْرَاءَ طَافِحَةٍ بِالْبَهَاءِ، مِمَّا يَنْقُلُ الْقَصِيدَةَ مِنْ إِطَارِ التَّجْرِيدِ إِلَى مُعَايَشَةِ الْوَاقِعِ الشَّعْبِيِّ وَالإِيمَانِيِّ.
رَابِعاً: النَّقْدُ الأَدَبِيُّ وَالْبِنَاءُ الْعَرُوضِيُّ
- الْمُوسِيقَى وَالْعَرُوضُ: نُظِمَتِ الْقَصِيدَةُ عَلَى بَحْرِ الْبَسِيطِ (مُسْتَفْعِلُنْ فَاعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَعِلُنْ)، وَهُوَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْبُحُورِ الْفَخْمَةِ الَّتِي تُنَاسِبُ الْمَلاَحِمَ وَالْمَدَائِحَ النَّبَوِيَّةَ الْكُبْرَى. وَتَمَيَّزَتْ بِرَوِيِّ الْمِيمِ الْمَضْمُومَةِ الْمَسْبُوقَةِ بِالسُّكُونِ أَوْ الْحَرَكَةِ، مِمَّا أَضْفَى عَلَى الْقِرَاءَةِ جَلاَلاً مَهِيباً وَرَنِيناً خِطَابِيّاً عَلَوِيّاً.
- الصُّوَرُ الْبَيَانِيَّةُ وَالْبَلاَغِيَّةُ:
- الاِسْتِعَارَاتُ الْمَكْنِيَّةُ: فِي قَوْلِهِ (نُورُ التَّجَلِّي... يَبْتَسِمُ) وَ(تَسَاقَطَتْ مِنْ سَنَاهُ الْجُورُ)، حَيْثُ خُلِعَتْ صِفَاتُ الْحَيَوِيَّةِ عَلَى الْمَعْنَوِيَّاتِ لإِبْرَازِ أَثَرِ الْمَوْلِدِ.
- التَّشْبِيهُ الْفَلَكِيُّ: فِي قَوْلِهِ (كَأَنَّهَا فَلَكٌ بِالنُّورِ يَخْتَتِمُ)، تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ يُصَوِّرُ تَجَمُّعَ السَّاحَاتِ وَالْمُدُنِ الْمُضَاءَةِ بِالزِّينَةِ الْخَضْرَاءِ كَأَنَّهَا مَجَرَّةٌ فَلَكِيَّةٌ تَدُورُ فِي فَلَكِ الْحُبِّ النَّبَوِيِّ.
- الطِّبَاقُ وَالْمُقَابَلَةُ: الْمُقَابَلَةُ الدَّقِيقَةُ بَيْنَ (الظُّلْمِ وَالْعَدْلِ) وَ(الظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ)، لِتَرْسِيخِ دَوْرِ الرِّسَالَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فِي هَدْمِ أَرْكَانِ الاِسْتِبْدَادِ وَالْجَهْلِ.
خَامِساً: الْخَاتِمَةُ وَالْمُؤَدَّى الْعَامُّ
تُمَثِّلُ قَصِيدَةُ "تَجَلِّي النُّورِ وَبَشَائِرُ المَوْلِدِ الأَعْظَمِ" لِلشَّاعِرِ القَاضِي الدُّكْتُور حَسَن الرَّصَابِي إِضَافَةً نَوْعِيَّةً وَإِثْرَاءً حَقِيقِيّاً لِمُدَوَّنَةِ الشِّعْرِ النَّبَوِيِّ الْمُعَاصِرِ. إِنَّهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ أَبْيَاتٍ فِي الْمَدْحِ، بَلْ هِيَ وَثِيقَةٌ فِكْرِيَّةٌ وَشِعْرِيَّةٌ مُتَكَامِلَةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ الْفِقْهِ، وَالتَّارِيخِ، وَالْوَجْدِ الصَّادِقِ، وَمَظَاهِرِ الْوَفَاءِ الشَّعْبِيِّ. وَتَصْلُحُ هَذِهِ الْمَلْحَمَةُ بِسَبْكِهَا الرَّصِينِ وَدِيبَاجَتِهَا الْفَخْمَةِ لأَنْ تَكُونَ مَرْجِعاً أَدَبِيّاً يُنْشَرُ فِي الْمَجَلاَّتِ وَالْفَضَائِيَّاتِ، وَيُلْقَى فِي الْمَحَافِلِ الْكُبْرَى، أَوْ يُضَمَّ بَيْنَ دَفَّتَيِ الْكُتُبِ وَالْمُؤَلَّفَاتِ النَّبَوِيَّةِ الْخَالِدَةِ.

حول الموقع

سام برس