سام برس
مقدمة.
تمتد العلاقات بين اليمن والصين لأكثر من 7 عقود، وتجمع بين جذور تاريخية عميقة ومصالح جيوسياسية راهنة. في وقت تشهد فيه المنطقة اضطرابات غير مسبوقة، تتبنى بكين مقاربة مزدوجة مع اليمن توازن بين تعظيم المصالح الاقتصادية وحماية خطوط التجارة، وبين إدارة توازنات الصراع الداخلي في إطار مبادرة "الحزام والطريق".
أولاً: الجذور التاريخية والدبلوماسية.
1. اعتراف مبكر: كان اليمن ثالث دولة عربية تعترف بجمهورية الصين الشعبية في سبتمبر 1956، بعد الحبيبة مصر وسوريا.
2. جذور أقدم: تعود الروابط التجارية إلى آلاف السنين عبر "طريق البخور" والملاحة البحرية في عهد الدول السبئية والحميرية والرسولية.
3. تمثيل دبلوماسي مستمر: تحتفظ اليمن بسفارة في بكين، بينما للصين سفارة في صنعاء وقنصلية في عدن.
وقد احتفل البلدان مؤخرًا بمرور 70 عامًاعلى انطلاق العلاقات الدبلوماسية.
ثانيًا: المحاور الأربعة للاستراتيجية الصينية في اليمن.
1. الموقع الجيوسياسي: بوابة الحزام والطريق البحري.
يمثل اليمن ومضيق باب المندب ممرًا حيويًا لتدفق التجارة العالمية والطاقة بين آسيا وأوروبا. هذا الموقع يجعل اليمن عنصرًا أساسيًا في "طريق الحرير البحري" ضمن رؤية الصين الأوسع للشرق الأوسط.
2. الدبلوماسية الحذرة والنهج المزدوج.
تتبع الصين سياسة "عدم التدخل" لكن بواقعية براغماتية:
- علاقات رسمية مع الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
- تواصل عملي مع الأطراف الفاعلة على الأرض بما فيها الحوثيون.
هدف هذا النهج مزدوج : ضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن وعدم استهداف السفن الصينية، ولعب دور متزايد في إدارة توازنات الصراع دون الانخراط المباشر.
3. التعاون التنموي والإنساني.
قدمت الصين دعمًا تاريخيًا للقطاع الصحي والبنية التحتية اليمنية. من أبرز المشاريع: مستشفى الثورة بتعز ومستشفى الصين بعدن، وجسر الصداقة اليمني الصيني في التحرير بأمانة العاصمة صنعاء. كما وقعت اتفاقيات في مجالات مكافحة الفقر والأمن الغذائي.
4. التعاون الاقتصادي والتجاري.
- أعلنت الصين مؤخراً إعفاء جميع المنتجات اليمنية من الرسوم الجمركية.
- توقيع اتفاقيات لتسهيل تصدير المنتجات السمكية اليمنية مباشرة للسوق الصينية.
- مشاركة الشركات الصينية تاريخيًا في تنفيذ مشاريع الطرق والمستشفيات والمباني الحكومية.
ثالثًا: الثوابت السياسية والمواقف المتبادلة.
العلاقة تقوم على مبدأ المعاملة بالمثل:
1. "الموقف اليمني": تؤكد الحكومة اليمنية التزامها التام بمبدأ "صين واحدة One China Principle"*د. وتدعم الموقف الصيني الرسمي في قضية تايوان، وتعتبرها جزءاً لا يتجزأ من الأراضي الصينية. وترفض أي مساس بوحدة أراضي الصين.
2. "الموقف الصيني": تدعم الصين وحدة اليمن وسيادته والحل السياسي للنزاع، وتحرص على استقراره كجزء من أمن المنطقة.
الخاتمة: شراكة براغماتية في قلب الصراع.
العلاقات اليمنية الصينية نموذج لـ "البراغماتية الاستراتيجية". الصين لا تبحث عن اصطفاف أيديولوجي، بل عن مصالح: ممر ملاحي آمن، أسواق جديدة، ونفوذ ضمن الجنوب العالمي.
واليمن يبحث عن شريك تنموي لا يربط المساعدات بشروط سياسية، وداعم لشرعيته ووحدته في المحافل الدولية.
في عالم متعدد الأقطاب، تبدو مقاربة بكين المزدوجة مع اليمن "نموذجًا لكيفية إدارة النفوذ" في دول الأزمات : الجمع بين الاقتصاد والدبلوماسية والأمن، دون الدخول في مستنقع الصراع.
*باحث استراتيجي يمني.


























