سام برس
ستظل صنعاء التاريخ هي القلب النابض لليمن والروح المتجددة وبمثابة الرئة التي يتنفس من خلالها ابناءها وكافة اليمنيين ، وستظل هذه المدينة " العتيقة" ، شريان للدماء النابضة بالحياة والنسيم الصافي ، تُردد أغنية الفنان الكبير احمد السنيدار "عن ساكني صنعاءْ حديثكْ هاتْ وافوجَ النسيم وخفِّفَ المسعى وقفْ كي يفهمَ القلبَ الكليمْ هل عهدنا يُرعى وما يرعى العهودْ إلاَّ الكريمْ .. ولؤلؤة الاغاني الصنعانية " لله مايحويه هذا المقام .. تجمعت فيه النفائس".. وتتراقص الاوتار باالكلمات واللحن الصنعاني الاصيل الذي يهز المشاعر والاحاسيس والقلوب في أغنية " حبيبي مافي احد غير الزهور .. يدرين كم قد نذر قلبي نذور .. نذرت ضوء الضحى يبقى عليك .. مباسم الحور في عالي القصور .
وتظل هذه المدينة التاريخية الضاربة جذورها في أعماق التاريخ بمبانيها الشامخة وبيوتها العجيبة واحجارها الجميلة وياجورها الاحمر القاني الاجمل وأحزمتها ونقشاتها الفنية الرائعة وقمرياتها ونوافذها الخشبية المنحوتة في قمة الاتقان والجمال والروعة من قبل حرفيين ذاع صيتهم في الآفاق ..
طوابق منظمة وطبقات يُشار اليها بالبنان بما تملكه من تخطيط انيق بـ " حواريها وصرحاتها وبساتينها ومقاشمها وازقتها وشوارعها واسواقها المٌرتبة والمنظمة والمُحددة لكل صنعاء ومساجدها العامرة بالمصلين وطلبة العلم ومآذنها التي تُعانق السماء .. انها آية من آيات الجمال والابداع والروعة التي تلفت الانظار للزائر الخارجي والمواطن الذي يأتي من خارج أسوارها وحدودها التاريخية الذي سرعان ما يصبح أسيراً لهذه المدينة " الساحرة" للتسوق فيها أو البحث عن العمل فيها او الانصهار والذوبان بين أهالي المدينة الطيبين والاكثر تواضع وبساطة ومحبة وتعايش مع الآخرين .
تحدث الرحالة العرب والاجانب عن صنعاء ووصفوا جمال صنعاء الفاتنة وتاريخ المدينة الساحرة ومعالمها وعلماءها واودبائها وشُعراءها وفلافسفتها وبساتينها وثمارها واسواقها وتراتبيتها ومساجدها ومجالس العلم والادب والفقة ودواوينها وطيرماناتها ومقايلها واحاديثها المتنوعة ونقاشاتها في شتى فنون العلم والمعرفة .. كما تحدثوا عن لطفها ولطافتها وسعادة سكان لهم من العادات والتقاليد والاعراف والاسلاف نظام يجمعهم.
تغنى الكثير من الفنانين بالفاتنة صنعاء وبسكانها وساكنيها وورودها وزهورها ونسيمها وعبيرها ومجالسها الانيقة التي تضم امهات الكتب والمخطوطات والاثار التاريخية .. وصفوا .. جلسات الانس الشريفة .. وبداية المقيل والدخول في مواضيع نقاش وحرية المناقشة والمشاركة وادب الحوار والاستماع .. ثم تاتي الظرافة واللطافة ورح النكتة والُعابة وسرعة البديهة لدى بعض الظرفاء والاذكاياء وما يسمى بـ " الزباجين" الذين يحولون تلك الساعات الى شيء من السعادة والانبساط والسرور والضحكات .. وما يتخللها من كلمات ورمزيات " ياسين على الطارف" عند النظر للشخص او الشاب الجميل ومتاحفته ...
جميلة هذه المدينة التاريخية بأسواقها التي كان يجد فيها البيت الصنعاني حاجته ورجال القبائل من مزارعين وغيرهم احتياجاتهم ومقاصدهم من سوق "المحدادة " الذي يجد فيه كل مايحتاجه المزارعين والنجارين والمطابخ ، من معاول ومطارق ومقصات ومحارث ومواقد وملاقط للنار وغيرها ، وسوق " المعدن " لاحتياجات المطابخ والمقاهي ، وسوق " الفتلة " للخياطة وصناعة أحزمة الجنابي ، وسوق " البز" القماش الرجالي والنسائي وسوق "الذهب "والفضة "والمشغولات اليدوية وسوق " الملح " لللحبوب والبهارات ، وسوق " الكوافي " والقُبع او القاوق وهي المشغولات اليدوية التي اختفت اليوم ومكائن الخياطة واصلاحها " والمنسوجات الشعبية " وسوق " الزبيب " والمكسرات وسوق " المعطارة "أو العطارين وسوق " الجنابي" وسوق " النجارة" ودكاكين صناعة القمريات والخط على الزجاج ، وسوق " المدايع " وسوق " المدر " والمقالي الصعدي وحياسي القهوة ومساحق الطماط ، وسوق "الخبز " والملوج والشعير واللحوح والكدم وقفايع البلسن وأصحاب " الحلويات " الشعبية من رواني وقطايف وشعوبيات ومربى الدباء والجزر البلدي " وبائعي شراب " الشعير " والزبيب الاسود مثل بيت الطبيب وكيدمة والجرباني والشعباني وغيرهم .. وبائعي الجلجلان " حلاوى السمسم الشهير .. وبائعى الكباب والفول والبرعي والسحاوق مع اليرت وحالياً مع الزبادي .. بالاضافة الى سوق بالمطاعم الشعبية مثل بيت لا هب وبيت حميد للسلتة واللحمة والمرق والفحسة .. ودخلت مطاعم جديدة للفول والفاصوليا والكبدة تواكب العصر ..
كانت صنعاء مدينة صناعية من الطراز الاول بالفعل وفيها امهر الكفاءات والخبرات والمهارات والاساطية والبناءين والنجارين والحرفيين ولها طابع خاص وملا مح خاصة وجاذبية عجيبة ونظافة وجمال يسر الناظرين .. كنت اتذكر كيف كنا ساكنيين في بستان شارب وبجوار الجامع الكبير وفي حارة داود وفي حارة الطبري ، وكيف كانت النظافة في صنعاء وكيف كان سكان صنعاء وكيف كانت الحكومة والمسؤولين على الاحياء وعقال الحارات ، يمرون على كل حي وبيت ومحل ويرون النظافة وكل بيت ينظف أمام بيته ويرش بالماء لتهدئة الغبار والتراب وكل صاحب محل ينظف امام محله مالم يتم التحذير وكا هناك وقبل كل شيء " سلوك " ، شخصي قابل للنظافة ثم يأتي موظفو البلدية لاخذ القمامة قبل ان تدخل علينا أكياس البلاستيك الغير متحللة ، حيث كان الناس تستخدم " زنابيل" القش عند شراء المصاريف .. كل مواطن يذهب بزنبيلة الذي يشترية من مواطن يمني ويدعمه ويدعم اسرته من خلال عملية الشراء .. ثم انتشرت " أكياس الورق " المستوردة على حساب بيوت كانت خبيرة في صناعة المشغولات اليدوية ..
بينما قضينا اليوم مع سبق الاصرار والترصد على الكثير من الخبرات والمهارات والكفاءات والصناعات الوطنية والمنتج البلدي والارزاااااق واغلقنا وجوعنا الكثير من الاُسر الصنعانية وغير الصنعانية والمناطق الريفية نتيجة للقرارت الحكومية المتعاقبة والفاشلة والتي لا يهمها المحافظة على المنتج الوطني والصناعة الوطنية او الترويج لها وسلبية المواطن او اعادة تصحيح ماتم تدميرة وتاهيل الشباب والشابات في تلك المجالات واعطاء الاولوية لها في الدعم والتسويق وإن وجد فهو من باب المزايدة ، خصوصاً اننا نرى حتى ملحة " اللحوح" اليوم أصبحت صينية والمقلى " حديد " صيني رغم خطورته والمعول والمفرس والمقص وقلص الشاي وكوب الماء والمعاوز والكبيرت والولاعة والابرة حتى البلاستيك والملاعق والامشطة ومشمعات القمامة ..
لا أدري هل تغيرت الحياة أم تغيرنا نحن ام الحكومات المتعاقبة التي تزاوجت مع رأس المال " التجار" وأدخلت كل شيء حتى أصبح اليمن منفل لصناعة وقمامة العالم الرديئة والخطيرة والملوثة ناهيك عن الاسمدة المحرمة التي يتم استخدامها في زراعة الخضروات والفواكة وكذلك جريمة منطقة الررررحبة التي تسقى جميع انواع الخضروات بمجاااااري الصرف الصحي بصنعاء وماتسببه من سرطانات وبكتيريا وفيروس كبد على المواطن والتربة والمياه السطحية رغم علم الحكومة وأمانة العاصمة والجهات المختصة ودون اتخاذ اي اجرى للمعالجة وتجنيب المواطن الامراض والعاصمة الفاتنة الروائح الكريهة وكله بسبب
حق" ابن هاااادي" " الرشوة" وترديد مقولة "من مات فهو شهيد ومن بقي فهو عتيق".
صنعاء اليمن ثاااانية .. هي الدولة والسلطة والقبلة والبوصلة والعاصمة والمدينة التي يستظل تحت سقفها جميع اليمنيين بكافة تياراتهم ومشاربهم الفكرية والسياسية والاجتماعية وهي وطن من لا وطن له ومن أراد ان يحكم اليمن فصنعاء هي كرسي السلطة وابناءها أكثر الناس طيبة ومودة وشفقة وتقديراً للقريب والبعيد.
ورغم ذلك الجمال الآسر يريد البعض لها وسكانها الدمار والجوع والموت و يأبى الله إلا ان يكتب لها اللطف والنجاة والحياة .. ودعوة كل بيت صنعاني أصيل ..الله ينتقم ممن شوه بجمال صنعاء ويعبث بروعة وبساتين ومقاشم ومنتزهات واستراحات وصرحات وأراضي ومقابر ومساجد واسواق صنعاء ويريد ان يشوه جمالها واناقتها وتاريخها ومعالمها وطابعها وسكينتها وامنها ويجوع اهلها ..
لقد دخل الجوع حقيقة الى معظم بيوت واُسر صنعاء بعد الركود الاقتصادي وحالة الكساد وفقر العامة والفوضى السياسية والفكرية الطارئة .. صنعاء التي ليس لها حزب ولا قيادات ولا مسؤولين أعفاط ولا منظمات دولية ولا سفراء يلجأون اليهم أو خارج يحميهم أو حكووووومة تنتشلهم من الفقر والجوع والبطالة .. تلك البيوت المستورة ببركة وحفظ الرحمن والنشاط التجاري لم تعد تلك الصور والاجسام الشامخة والقلوب الرحيمة والجميلة والمبتسمة الا مُنكسة رأسها كالاعلام في سنوات الكوارث والاحزان وعالم المجاعة كما يبدو لي ، بعد ان أصبحت " البيوت اسرار" مُقفلة على ابوابها ..
تلك النجوم التي كانت الى القريب كلها بيوت صناعة وحرف ومهن وعلم وأدب وشعر وفن وفلك وتاريخ وعطاء وخير وتكافل واذا دخلت تصلي في أي جامع تشم فيها رائحة الصلاة والايمان والقلووووب كالووووردة .. يكفي عبث وأهمال وانتقام من هذه المدينة الجميلة واهلها المسلمين والمسالمين الذين يتأثرون من " شاااااانني" مقيل قات أو هبت ريح فما بالك من اعفااااااط لا يعرفون قيمة وعظمة تلك المدينة الحالمة ولا يًقدرون حساسية تلك المدينة الفاتنة والمسالمة التي من صعد الى السلطة يحاول " تركيعها بكل الاساليب دون ان يُدرك ان اهل صنعاء ابعد عن القيادة والسياسة وأكثر ميلاً الى التجارة والفن والادب والاريحية والسعادة والعيش في عالم آخر أقرب الى الملائكة ..حافظوا على جمال هذه المدينة " الفاتنة " و الكواكب الدُرية لان كل شيء زائل ويبقى وجه الله .. فهل من اعادة الاعتبار لهذه المدينة وأهلها وساكني صنعاء الاكثر ظلماً وضريبة السلام عبر تاريخ الثورات والانقلابات والنثرات والصراعات العبثية والفوضى الخلاقة .. أملنا كبير .
[email protected]


























