سام برس
لم تكن جغرافيا الشرق الأوسط يوماً مجرد حدود رسمتها اتفاقيات الاستعمار، بل كانت وما زالت القَلبَ النابضَ للعالم، والعُقدةَ الاستراتيجيةَ التي تتقاطع عندها خطوط التجارة وممرات الطاقة الدولية. ومن يقرأ تاريخ المنطقة بعين الحصافة العسكرية والسياسية، يدرك تماماً أن حالة التجزئة والشتات الشامل التي تعيشها الأمة ليست مصادفةً جغرافية، بل هي وضعٌ مُهندسٌ بعناية لإبقاء هذه المنطقة العظيمة مجرد ساحةٍ مفتوحةٍ لصراعات الآخرين.
إن المعادلة الجيوسياسية واضحة الأبعاد: جغرافيا ممتدة، ومنافذ بحرية حيوية تتحكم بالملاحة الدولية، مع إرث حضاري وثقافي موحد وثروات طبيعية هائلة؛ كل هذه العوامل تجعل من أي تقارب أو تكامل بين دول هذه المنطقة قوةً إقليمية ضاربة قادرة على كسر الأحاديّة الدولية وإعادة تشكيل موازين القوى العالمية. ومن هنا، تخشى القوى المتنفذة والمشروع الصهيوني اليومَ الذي يستيقظ فيه الوعي الجمعي لأبناء هذه الأمة ليتحول الشتات إلى كيانٍ استراتيجي يتكئ على المصالح المشتركة.
غير أن استهداف الأمة لم يقف عند حدود الإبقاء على الفوضى والنزاعات البينية لاستنزاف الطاقات؛ بل تجاوز ذلك إلى فرض "مُحرّمٍ إستراتيجي" يمنع دول المنطقة من امتلاك أدوات التوازن الحقيقي وسلاح الردع الشامل. إن الشواهد التاريخية تدل بوضوح على حجم الهلع من امتلاك الأمة للتكنولوجيا المتقدمة؛ بدءاً من التدمير الاستباقي للمفاعلات والمنشآت النووية في العراق وسوريا ورصد التجارب الليبية، وصولاً إلى الحروب الظالمة والحصار الخانق على إيران لمنعها من توطين التكنولوجيا النووية والقدرات الردعية المتقدمة.
ولم تكن هذه الحرب المفتوحة موجهة ضد المنشآت والآلات فقط، بل امتدت يد الغدر إلى العقل المفكر للأمة، حيث شهدت عقود الصراع سلسلةً مظلمة من الاغتيالات والتصفية الجسدية المنظمة للعشرات من علماء الذرة والفيزياء والتكنولوجيا في عالمنا العربي والإسلامي؛ في رسالة استكبارية مفادها أن الامتلاك الذاتي للمعرفة والقدرة التكنولوجية هو خطٌ أحمر يُمنع تجاوزه.
إن استمرار تغذية الحروب الفرعية، وتعميق خطوط التماس بين الأشقاء، واستهداف العقول الفذة، هي أركان استراتيجية واحدة تهدف إلى بقاء المنطقة غارقة في أزماتها الداخلية، عاجزة عن النظر إلى "الصورة الكلية".
إن الوحدة الاستراتيجية المنشودة لا تعني إلغاء الخصوصيات الوطنية، بل تعني بناء "تكتل متكامل" يحمي الثروات، ويوطن التكنولوجيا، ويصون كرامة الإنسان. وإن الخطوة الأولى نحو كسر هذا الطوق المضروب تبدأ من استعادة الوعي الاستراتيجي، والإدراك اليقيني بأن سلاح الردع الأكبر، والخطَر الأشد على أعداء الأمة، ليس فقط العتاد العسكري المتقدم... بل أن يكتشف الأخ أن الذي أمامه أخوه، وأن قوته وازدهاره هما السور الحقيقي لحماية الجميع.


























