بقلم/ الدكتور / علي أحمد الديلمي
صناعة الكراهية في اليمن أصبحت من أخطر نتائج الصراع السياسي والحرب خصوصا عندما يجري استهداف الناس بسبب أنسابهم أو مذاهبهم أو مناطقهم ومن أبرز صور ذلك وضع الهاشميين جميعا في خانة واحدة وربطهم بالحوثيين وكأن كل هاشمي حوثي أو مؤيد لهم وهذا غير صحيح فالهاشميون مكون اجتماعي يمني وفيهم المؤيد والمعارض والمحايد مثل بقية اليمنيين ولا يجوز أن يتحول الخلاف مع جماعة سياسية إلى خصومة مع أسر وعائلات بسبب نسبها أو أن يصبح الانتماء الأسري دليلا على موقف سياسي لم يختره صاحبه
وقد أعادت الحرب في اليمن إنتاج التفتيت المذهبي والمجتمعي الذي عرفه اليمنيون بدرجات مختلفة في مراحل سابقة بعدما استخدمه المتصارعون وسيلة للتأثير في أتباعهم وحشدهم خلف مشاريعهم فبدلا من أن يبقى الخلاف سياسيا حول شكل الدولة ومؤسساتها وطرق إدارة السلطة جرى دفعه نحو الهويات المذهبية والمناطقية والاجتماعية وتحويل الانتماءات إلى أدوات للتعبئة والتخويف والاتهام وهكذا أصبح بعض اليمنيين ينظرون إلى خصومهم من خلال مذاهبهم وأنسابهم ومناطقهم لا من خلال مواقفهم وأفعالهم الأمر الذي عمق الشكوك وأضعف الروابط الوطنية وفتح المجال أمام خطاب الكراهية والانتقام
ومن أسباب هذا الخلط أن المذهب الزيدي نفسه لم يأخذ حقه من المعرفة لدى كثير من الناس فالزيدية مذهب يمني عريق له تاريخ طويل وتراث فقهي وفكري واسع ولا يمكن اختزاله في الحوثيين أو في الهاشميين فالبيئة الزيدية تضم قبائل وأسر واسعة من غير الهاشميين وكان لها دور أساسي في تاريخ اليمن كما أن الهاشميين أنفسهم ليسوا جميعا زيديين ولا أصحاب موقف سياسي واحد ولذلك فإن وضع الزيدي والهاشمي والحوثي في معنى واحد يمثل خطأ تاريخيا واجتماعيا ساهم في تعميق الانقسام بين اليمنيين وأتاح للمتصارعين تقديم جماعات اجتماعية كاملة باعتبارها كتل سياسية متجانسة
ومن أكثر الأفكار انتشارا أن الزيدية تعني الاعتقاد بأن كل هاشمي يمتلك حقا إلهيا في حكم الناس وهذه صورة غير دقيقة ولا تعكس تطور الفكر الزيدي وتنوع اجتهاداته فمع أن بعض علماء الزيدية المتقدمين اشترطوا في الإمام أن يكون من ذرية الحسن أو الحسين فإن علماء آخرين وسعوا دائرة الاجتهاد واعتبروا أن الإمامة لا تقوم على النسب وحده بل على توافر شروط العلم والعدل والكفاءة والقدرة على القيام بأعباء الحكم والدعوة إلى نفسه بل ذهب بعضهم إلى أن من استوفى هذه الشروط جاز أن يكون إماما أيا كان نسبه وهذا التطور داخل الفكر الزيدي مهم لأنه يدحض القول إن الزيدية تقوم بالضرورة على احتكار الحكم في سلالة معينة أو أن كل هاشمي يمتلك حقا إلهيا في السلطة كما أن البيئة الزيدية نفسها عرفت خلافات واجتهادات متعددة وقد ظهر ذلك في العصر الحديث في الاختلافات داخل حركة الشباب المؤمن وبين شخصيات مثل محمد عزان وحسين الحوثي وهو ما يؤكد أن الزيدية ليست فكرا سياسيا واحدا وأن الحوثية لا تختصر كل الزيديين
ولا يمكن أيضا تجاهل دور بعض الخطابات الدينية والسياسية المناهضة للزيدية التي تصاعدت خلال العقود الماضية وارتبط بعضها بتيارات سلفية وبشخصيات واتجاهات داخل التجمع اليمني للإصلاح ذي الصلة التاريخية بالإخوان المسلمين فقد تحول الخلاف السياسي في بعض الأحيان إلى تشكيك في الزيدية وإلى حساسية تجاه وجود الهاشميين في مؤسسات الدولة ووصل الأمر إلى انتقاد تعيين شخصيات زيدية هاشمية في مواقع عامة وكأن الانتماء المذهبي أو الأسري سبب كاف للتشكيك في استحقاق الإنسان للوظيفة العامة ولا يعني ذلك تحميل جميع أعضاء الإصلاح أو جميع المنتمين إلى التيار الإسلامي مسؤولية خطاب واحد لكن من الضروري الاعتراف بأن بعض الخطابات والممارسات الإقصائية أسهمت في خلق شعور لدى قطاعات من الزيديين والهاشميين بأن هويتهم الدينية والاجتماعية مستهدفة وأن حضورهم في الدولة موضع شك لمجرد انتمائهم
وقد اتخذ هذا الخطاب أحيانا صورة غير مباشرة من خلال التمييز في التعيينات أو استبعاد أشخاص من وظائف ومواقع عامة بسبب أصولهم الأسرية أو انتمائهم المذهبي أو من خلال تقديم الهاشميين باعتبارهم جماعة تسعى بطبيعتها إلى السيطرة على الدولة ومثل هذه الممارسات إن صحت في أي مؤسسة أو مرحلة لا تمثل دفاعا عن الجمهورية أو المواطنة بل تعيد إنتاج منطق المحاصصة والتمييز الذي يفترض أن الدولة الحديثة جاءت لتجاوزه فالموظف لا ينبغي أن يسأل عن نسبه أو مذهبه قبل النظر في كفاءته ونزاهته كما لا يجوز أن تتحول مواجهة الحوثيين إلى ذريعة لمعاقبة جماعة اجتماعية كاملة أو حرمانها من حقوقها
وكانت هذه البيئة من بين العوامل التي ساعدت حركة الحوثيين على النمو وكسب التعاطف في بعض المناطق الزيدية فالصحوة الزيدية التي سبقت الحركة الحوثية نشأت جزئيا كرد فعل على انتشار النشاط السلفي في مناطق زيدية وعلى الشعور بتراجع المذهب ومؤسساته ثم جاءت حروب صعدة والصراعات مع السلطة والإصلاح وبعض القوى القبلية والدينية لتزيد الشعور بالمظلومية كما أن الخطاب الذي ساوى بين الهاشميين والحوثيين أو تعامل مع الزيدية باعتبارها خطرا سياسيا منح الحوثيين فرصة لتقديم أنفسهم بوصفهم المدافعين عن جماعة مستهدفة لكن ذلك لا يعني أن هذه العوامل وحدها صنعت الحوثيين ولا يبرر ما ارتكبته الحركة لاحقا من إقصاء أو استحواذ على مؤسسات الدولة أو تمييز لصالح أنصارها وإنما يعني أن فهم صعود الحوثيين يتطلب دراسة الأسباب الاجتماعية والمذهبية والسياسية التي وفرت لهم بيئة للنمو بدلا من الاكتفاء بتفسير الصراع على أساس السلالة وحدها
لقد استفاد المتصارعون جميعا بدرجات مختلفة من إعادة تنشيط الانقسامات القديمة فالحوثيون وظفوا مظالم تاريخية وخطابا مذهبيا لحشد أنصارهم وتبرير توسعهم بينما استخدمت قوى مناهضة لهم خطابا مقابلا يصور الزيدية والهاشميين باعتبارهم كتلة واحدة مرتبطة بمشروع استعادة الحكم وبين الخطابين تراجع صوت اليمنيين الذين يريدون دولة عادلة لا تقوم على النسب ولا على المذهب ولا على الولاء لجماعة مسلحة أو حزب سياسي او منطقة جغرافية معينه وهكذا تحولت الهوية من مساحة للتنوع الاجتماعي إلى أداة للفرز والتعبئة وأصبح المواطن مطالبا بإثبات براءته من جماعته أو الدفاع عنها بدلا من أن يكون حقه في المواطنة أمرا بديهيا لا يحتاج إلى إثبات
واليمن اليوم يحتاج إلى الخروج من الدائرتين معا فلا يجوز استخدام الجمهورية ذريعة لإقصاء الهاشميين والزيديين ولا يجوز استخدام مظالم الهاشميين أو الدفاع عن الزيدية لتبرير احتكار الحوثيين للسلطة فلا حق لهاشمي في الوظيفة أو الحكم بسبب نسبه ولا يجوز حرمانه منهما بسبب النسب نفسه ولا يجوز اتهام الزيدي بأنه حوثي لمجرد مذهبه كما لا يجوز تحويل الانتماء الشافعي أو القبلي أو المناطقي إلى معيار للولاء أو الخيانة والمواجهة الحقيقية مع التمييز تكون برفضه من جميع الأطراف وبناء دولة يكون فيها اليمني مواطنا قبل أن يكون زيديا أو شافعيا أو هاشميا أو قبليا ويكون معيار الوظيفة العامة هو الكفاءة ومعيار الوصول إلى السلطة هو إرادة الشعب والقانون لا النسب أو المذهب أو الانتماء الحزبي أو المناطقي
إن استعادة اليمن عافيته لا تتطلب إنكار التنوع الاجتماعي والمذهبي بل تتطلب الاعتراف به وإدارته ضمن إطار المواطنة المتساوية فالزيدية جزء من تاريخ اليمن والهاشميون جزء من نسيجه الاجتماعي والحوثيون جماعة سياسية وعسكرية ينبغي تقييمها على أساس مشروعها وممارساتها لا على أساس نسب كل من ينتمي إليها أو يتعاطف معها وبالمثل فإن خصوم الحوثيين ينبغي أن يحاسبوا على سياساتهم وخطاباتهم وممارساتهم لا أن تمنح لهم حصانة أخلاقية لمجرد رفعهم شعارات الجمهورية أو مواجهة الحوثيين وحده هذا التفريق يمكن أن يوقف صناعة الكراهية ويمنع المتصارعين من استخدام التفتيت المذهبي والمجتمعي للتأثير في أتباعهم ويفتح الطريق أمام دولة يمنية يتساوى فيها الناس أمام القانون


























