بقلم/ القاضي د. حسن حسين الرصابي
تتجلّى في المشهد السوري اليوم واحدة من أكثر صور الانفصام السياسي والعسكري مرارةً في التاريخ العربي الحديث؛ صورةٌ تختزل حجماً هائلاً من المفارقات الفاقعة التي تدعو إلى الذهول وتستفزّ الحجر قبل البشر.
فبينما تقف الأراضي السورية مكشوفة الجناح، مستباحة السيادة أمام التوغل الإسرائيلي المباشر من أقصاها إلى أقصاها، يُدار الظهر للتراب الوطني لتُوجَّه البوصلة نحو صراعات الإقليم ، وتُرسَل حشود المقاتلين إلى أقاصي الجزيرة العربية لخوض معارك في أرض اليمن لا ناقة للشام فيها ولا جمل.

إن ما تشهده جغرافيا الجنوب السوري اليوم ليس مجرد خروقات عابرة، بل استباحة منهجية معلنة؛ حيث تتجوّل الآليات الإسرائيلية في القنيطرة ودرعا بكامل حرّيتها، وتقتحم القوات المحتلة قرية زبيدة لتترصد أطفال المدارس وترهبهم، وتداهم المنازل في معرية والحرية لتختطف الشباب جهاراً نهاراً، تحت غطاء كثيف من الطائرات المسيرة التي تطوق الفضاء. كل هذا يحدث وقواعد الاحتلال تنشأ وتتمدد في ثكنات مثل "الجزيرة"، في مشهد يكرس واقعاً من سلب الإرادة وانتهاك الحرمات، بينما يُقابل هذا التعدي السافر بغياب تام لأي مواجهة عسكرية ردعاً للعدوان.

وهنا يبرز التساؤل الضخم الذي يفرض نفسه بمرارة: أين هي القوات المسلحة السورية من هذه الاستباحة اليومية؟
لقد ألفت الجماهير السورية، وعلى مدار العقود الماضية، أن تلمس قبضة أمنية حديدية لا ترحم حين يتعلق الأمر بالداخل؛ سطوة مشددة، وملاحقات لا تتوقف، واستنفار كامل لمؤسسات الدولة لملاحقة المواطنين واعتقال كل من يتفوه بكلمة نقد. غير أن هذه "القبضة الفولاذية" ذاتها تعاني شللاً كاملاً وصمتاً مريباً بمجرد أن تعبر آليات الاحتلال الحدود!

لا طائرة تُقلع لتدافع، ولا مدفع يُصوَّب ليردع، ولا تشكيلات برية تُحرَّك لحماية القرى والشباب والأطفال الذين يُساقون إلى معتقلات المحتل أمام عدسات الكاميرات.
لكن المأساة لا تتوقف عند حدود العجز عن حماية الأرض، بل تتجاوزها إلى ما هو أدهى وأمرّ: هدر الطاقات البشرية في حروب الوكالة.
ففي الوقت الذي تُترك فيه البلاد تُنهك تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والأمنية، وفي اللحظة التي تحتاج فيها سوريا إلى كل ساعد من أبنائها للذود عن حمى الوطن وترميم سيادته المهدورة، تشير المعطيات والوقائع إلى اندفاع رسمي لإرسال آلاف الشباب والمقاتلين السوريين للقتال في اليمن، والانخراط في أتون الحرب هناك إلى جانب التحالف الذي تقوده السعودية.
أليست هذه هي العبثية السياسية في أبهى صورها؟ كيف يُساق ابن الشام ليُقتل في جبال اليمن وصحاريها دفاعاً عن أجندات إقليمية، بينما تُترك قرابته وأرضه في القنيطرة ودرعا لقمة سائغة للاحتلال الإسرائيلي؟ أي تناقضٍ أخلاقي ووطني هذا الذي يجعل الدفاع عن ثغور الوطن واجباً يُنسى، والقتال في جبهات الآخرين عملاً يُستنفر له الشباب؟

إن التفريط في التراب الوطني وتوجيه البوصلة نحو معارك خارج الحدود لن يثمر إلا مزيداً من الارتهان والانهيار. فالأمة التي تفرّط في درعا والقنيطرة لن تجد لها مجداً في جبال وسهول أرض اليمن، والشام لن تستعيد عافيتها وسيادتها إلا حين يعود سلاحها لحماية ثغورها، ويُصان شبابها لبناء وطنهم لا ليكونوا وقوداً لحروب بالإنابة.

حول الموقع

سام برس