بقلم/ مجاهد مظفر
ربما أصبحنا في زمن تتآكل فيهالحدود بين المبدأ والمنفعة وبين ما يكتبه كاتب وما يؤمن به في مساحته الخاصة…وهو ما يجعل تجربتة العملية اختبارا يوميآ للقدرة على الاحتفاظ بالإنسان داخل الوطن وبالمبدأ داخل الممارسة
ومن هذه الزاوية تبدو تجربة الاستاذ محمد الدلواني جديرة بالتأمل ليس باعتبارها تجربة ملفتة فحسب…وإنما باعتبارها تجربة إنسانية يمكن قراءتها من زاوية مختلفة… زاوية تلتقي فيها الحيا و بما تحمله من قيم واختلافات وحسابات وموازين ومصالح…مع عالم ايجابي يقوم في أحد جوانبه على تهذيب النفس ومراجعة الذات والبحث عن المعنى فيما وراء ظاهر الأشياء…
ولعل ما يستحق التأمل .. هنا أن الرجل…بعيدآ عن صخب المشهد السياسي المباشر في الوقت الراهن… يظل نموذجآ لتجربة حياة يمكن النظر إليها من مسافة أكثر هدوءآ…بعيدآ عن حسابات اللحظة ومقتضيات الموقع والواقع…وبعيدا كذلك عن الحاجة إلى قراءة الشخص من خلال موقع تركه أو موقع يتحرك منه…
فحين يغادر الانسان مساحة الفعل المباشر… تصبح تجربته نفسها موضوعا للقراءة…ويصبح السؤال ليس أين يقف الآن على خريطة الحياة ؟… وإنما كيف يمكن فهم الشخصية التي صنعتها سنوات الادارة والعمل العام…وما الذي ظل من ملامحها خارج ضجيج المواقع والمقاعد؟
ومن هنا تظهر ثنائية محمد الدلواني…
فهو ابن تجربة ادارية وتنظيمية امتدت لسنوات… وفي الوقت ذاته ارتبط اسمه بحضور ملفت ونجاح واضح…وهذه الثنائية لا أراها دليلآ تلقائي على فضيلة سياسية…ولا تناقضآ بالضرورة مع العمل العام…وإنما أراها مساحة تستحق التأمل في كيفية اجتماع شخصين مختلفين داخل شخصية واحدة…
عالم_الادارة حيث الحسابات الدقيقة وقراءة اللحظة وإدارة التفاصيل وفهم موازين القوة…
وعالم_الكتابة حيث عالم الخيال وتهذيب النفس والتقييم بصمت ومراجعة الذات والبحث عن السكينة…
وربما هنا تكمن خصوصية المشهد…فصبغة الكفاءة لا تعني بالضرورة الانسحاب من الواقع…كما أن الانخراط في الحياو لا يعني بالضرورة القطيعة مع الروح…وإنما يظل الاختبار الحقيقي في المسافة التي يستطيع الإنسان أن يحافظ عليها بينه وبين المجتمع…وبين الرغبة في التأثير وبين القدرة على ضبط الذات…
وهذا هو السؤال الأكثر إثارة…هل يستطيع الكاتب أن يقترب من البعض دون أن يصبح البعض هم الذين يعيدون تشكيله؟…
وهل يستطيع الإنسان الذي يجد في الكتابة مساحة للتأمل ومراجعة النفس أن يحتفظ بهذه المساحة حين يدخل عالما تتشابك فيه المصالح والمواقع والحسابات؟
ولعلي لا عتقد أن الإجابة يمكن اختزالها في حكم سريع…فتجارب الشخصيات الملهمة لا تقرأ من زاوية واحدة…والشخصيات العامة أكثر تعقيدآ من أن تختزلها صفة واحدة مهما كانت جاذبيتها…
لكن_ربما_يمكن_قراءة_محمد_الدلواني من هذه الزاوية باعتباره شخصية تقاطعت في تجربتها مساحتان مختلفتان…
مساحة_ادارية بكفاءة تقوم على التنظيم والحركة وإدارة التفاصيل وقراءة متطلبات تنفيذ المهام …
ومساحة_تاملية تقوم على الكتابة يصمت وتهذيب ومراجعة النفس والبحث عن اقرب المنافذ للنجاح…
وبين_المساحتين تتشكل شخصية لا يصح أن نقرأها من خلال الادارة وحدها…ولا من خلال الكتابة وحدها ايضا
وربما_كان_ابتعاده_عن_المشهد_العام_والمباشر اليوم فرصة لقراءة التجربة بصورة أكثر هدوءا… فحين تخف حدة لحظات الاختلاف…يصبح من الممكن النظر إلى المسار لا إلى الموقع…وإلى الأثر لا إلى الماضي…وإلى الشخصية لا إلى المنصب…
وهنا تحديدا يمكن أن نعيد طرح السؤال بصورة مختلفة...
ماذا يحدث حين يلتقي عقل اداري اعتاد قراءة الواقع… بروح تبحث عن الاطمئنان؟…
هل يظل كل منهما في مساحته؟…
أم يبدأ أحدهما في إعادة تشكيل الآخر؟
ولعل_الإجابة_الأكثر_إنصافآ أن هذه الثنائية لا ينبغي أن تقرأ باعتبارها تناقضآ مكتملآ… ولا باعتبارها تكاملًا محسومآ…
وإنما باعتبارها تجربة مفتوحة على التأمل والاختبار…
فالادارة_تحتاج إلى عقل يقرأ الواقع…
والكتابة تحتاج الى خيال مبدع وإلى ضمير وقلب يراجع صاحبه… وبينهما يقف الإنسان أمام السؤال الأصعب…
كيف يمارس التأثير دون أن يصبح أسير له؟…
وكيف يتعامل مع الواقع دون أن يفقد المسافة الضرورية بينها وبينه؟…
واستخلاصا لما سبق فإن محمد الدلواني يمكن أن يقرأ اليوم بعيدآ عن صخب الموقع المباشر باعتباره تجربة جمعت في مسارها ومسيرتها بين عالمين متباعدين في الظاهر…
بين_يوميات_الادارة حيث تتغير المواقع وتتبدل الحسابات… وشغف_الكتابة حيث يتعلم الإنسان أن ينظر بتأمل ويستدعي بخيال من مقام عابر…وأن ما يبقى في النهاية ليس الموقع…وإنما الأثر…
وربما_كانت_هذه_هي_الفكرة_الأعمق ان الإنسان لا يختبر فقط حين تكون التاثير والقدرة في يده وإنما كذلك فيما يبقى منه حين تبتعد عنه…
فالعقل يمكن أن يدير...والقلب يمكن أن يراقب… والروح يمكن أن تضع لكل شيءميزانه…
دمتم في حفظ الله وآمنه


























