بقلم/ القاضي د. حسن حسين الرصابي
تُمثّل الحماية الممنوحة للأسرى ولغير المشاركين في العمليات الحربية حجر الزاوية في منظومة الأخلاق الإنسانية والقوانين المُنظّمة للنزاعات المسلحة. إن ما شُوهد عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي من مشاهد مروعة لتصفية الأسرى ودهسهم بالعربات القتالية والمدرعات وهم يرفعون أيديهم مستسلمين، ليس مجرد انتهاك عابر، بل هو جريمة حرب مكتملة الأركان تصدم الضمير الإنساني، وتخالف كلياً المبادئ الصريحة للشريعة الإسلامية، والأسس المستقرة في الأعراف والأسلاف القبلية اليمنية الأصيلة، بالإضافة إلى كافة المعاهدات والاتفاقيات الدولية.

أولاً: الشريعة الإسلامية.. حرمة الأسير وتحريم ملاحقة المنسحب أو الفارّ
سبقت الشريعة الإسلامية الغراء كافة القوانين الوضعية في إرساء قواعد إنسانية صارمة للتعامل مع الحرب وأسرى المعارك، وجعلت حماية المحارب بمجرد إلقائه السلاح أو انسحابه فرضاً دينياً وأخلاقياً لا يحيد عنه المسلم.

1. الإحسان إلى الأسير وتحريم قتله في القرآن والسنة
- الإحسان إلى الأسير: جعل الله عز وجل إطعام الأسرى والإحسان إليهم من صفات الأبرار المقربين، فقال تعالى:
- ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8].

- وجوب الأمان عند الاستسلام: تقرر الشريعة أن من ألقى سلاحه وأعلن استسلامه فقد وجب له الأمان وحَرُم سفك دمه؛ لأن علّة القتال (وهي المباشرة في العدوان) قد زالت.
2. تحريم قتل المنسحب أو الفارّ من الميدان
أرست الشريعة قواعد الملاحقة في الحرب، وفرّقت بين من يقاتل ومن يكفّ عن القتال أو ينسحب:
- سنة الصحابة في التعامل مع الفارين والمنسحبين: في معركة الجمل، أرسى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه قاعدة فقهية وإنسانية في القتال الداخلي والنزاعات، حيث نادى مناديه: «لا تُتْبِعُوا مُدْبِرًا، وَلا تُجِهزُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَلا تَقْتُلُوا أَسِيرًا».

- العلة الشرعية: إن من انسحب من الميدان أو فرّ طالباً السلامة قد كفّ شرّه وأنهى مشاركته الفعلية في القتال، فيحرم استهدافه أو الإجهاز عليه أو تعقبه بالقتل؛ لأن القتال في الإسلام ليس للتشفي أو الانتقام وإنما لدفع العدوان.

3. الوصايا النبوية ووصايا الخلفاء والفتوحات
- الوصية النبوية الشريفة: كان رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله يوصي قادة السرايا والجيوش قبل سيرهم بضوابط صارمة تُحرم الغدر والتمثيل بالقتلى، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ... لا تَغُلُّوا، وَلا تَغْدِرُوا، وَلا تُمَثِّلُوا، وَلا تَقْتُلُوا وَلِيدًا».

- وصايا الصديق والأئمة الفاتحين: سار الصحابة والقادة الفاتحون على هذا النهج؛ حيث جاء في وصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه لجيش أسامة بن زيد: «لا تخونوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة... وسوف تَمُرُّونَ بأقوامٍ فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الصَّوَامِعِ؛ فَدَعُوهُمْ وَمَا فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ».
ثانياً: الأعراف والأسلاف القبلية الأصيلة.. عيب أسود وقتل الأعزل والأسير «مَحْقٌ وَعَار»
يتمتع المجتمع اليمني بمنظومة عرفية وقبلية تاريخية ضاربة في القدم تُعرف بـ «الأسلاف والأعراف السائدة»، وهي قواعد مشددة تنظم النزاعات والحروب، وتعتبر التجاوز فيها من أعظم العيوب الاجتماعية والجرائم الأخلاقية:
- قاعدة "الماشي والمنسحب والأعزل": تعتبر الأعراف اليمنية أن القتال إنما يكون بين المباشرين للقتال حاملي السلاح؛ أما من ألقى سلاحه، أو انسحب فاراً من المعركة، أو ظهر أعزلاً لا يحمل سلاحاً، فإن قتله يُعد في العرف القبلي "عيباً أسود" تُجلّب العار والشنار على مرتكبها وقبيلته جيلاً بعد جيل.

- حرمة الأسير و"وجه القبيلي": الأسير في العرف اليمني يُعد بحكم "المستجير"؛ وقتل الأسير أو الاعتداء عليه بعد المقدرة عليه يعتبر اختراقاً لمبدأ النخوة والشهامة اليمنية، ويُصنف عرفاً كجريمة غدر وتجرّد من قيم المروءة والقبيلة.
- حرمة التمثيل بالجثث والدهس: إن دهس أجساد الأسرى بالمدرعات أو التمثيل بجثثهم بعد القتل عملٌ مجردٌ من قيم الشرف القبلي؛ إذ إن العرف اليمني يوجب احترام كرامة الميت ومواراته والترفع عن أذية من أضحى عاجزاً أو مقتولاً.

ثالثاً: التكييف القانوني وفق الاتفاقيات والقوانين الدولية
تحظر جميع المواثيق الدولية حظراً قاطعاً ومطلقاً قتل أو إيذاء الأسرى أو أفراد القوات المسلحة الذين ألقوا أسلحتهم، أو انسحبوا من المعركة، أو أصبحوا عاجزين عن القتال لأي سبب كان.
| الاتفاقية / الميثاق | النص والمضمون القانوني |

| اتفاقية جنيف الثالثة (1949م) | تنص المادة (13) صراحة على أن: "يجب معاملة الأسرى معاملة إنسانية في جميع الأوقات. ويُحظر أن تقترف الدولة الحاجزة أي فعل أو إهمال يسبب وفاة أسير يقع في احتجازها... كما يُحظر التعريض للتشويه البدني". |
| اتفاقيات جنيف الأربع (المادة 3 المشتركة) | تحظر في جميع الأوقات والظروف بحق العاجزين عن القتال: "الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وبخاصة القتل بجميع أشكاله، والتشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب، والاعتداء على الكرامة الشخصية". |
| البروتوكول الإضافي الأول (1977م) | تفرض المادة (41) حماية صريحة لمن يُعتبر عاجزاً عن القتال (Hors de combat - خارج إطار المعركة)، وهو من أعرَب بوضوح عن رغبته في الاستسلام، أو أضحى غير قادر على الدفاع عن نفسه وامتنع عن أي عمل عدائي. |
| نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية | تصنف المادة (8) تعمد قتل أو إصابة مقاتل ألقى سلاحه، أو إعلان عدم إبقاء أحد على قيد الحياة، أو التمثيل بالجثث بكونه جريمة حرب لا تسقط بالتقادم. |
رابعاً: إدانات محلية وعربية واسعة لجريمة دهس الأسرى يوم أمس الأول
أثارت الجريمة البشعة التي ارتكبتها تحشيدات العدوان حسبما قيل أنها في مديرية ذوباب بمحافظة تعز، والمتمثلة في إقدام مدرعة عسكرية على دهس عدد من الأسرى بشكل وحشي وهم عُزّل، موجة غضب وإدانات واسعة على المستويين المحلي والدولي.
وقد توالت ردود الفعل الغاضبة من الأوساط الشعبية، والمنظمات الحقوقية، والجهات الرسمية والدينية، والتي اعتبرت هذا السلوك الموغل في الوحشية سابقة خطيرة تعكس التردي الأخلاقي والإفلاس الميداني لمرتكبيه. كما صدرت مطالبات عاجلة للمنظمات الدولية والهيئات المعنية بحقوق الإنسان لفتح تحقيق دولي عاجل ومحاسبة القيادات والعناصر المتورطة في هذه المجزرة البشعة.
خامساً: المسؤولية الجنائية والأخلاقية والتداعيات المجتمعية
إن توثيق مثل هذه الجرائم المروعة ونشرها عبر وسائل الإعلام والتواصل لا يقتصر أثره على الانتهاك المباشر لأرواح الضحايا، بل يمتد ليزرع الأحقاد ويشجع على التفرقة والطائفية والاحتراب الداخلي بين أبناء الوطن الواحد.
- المسؤولية القانونية: تتحمل القيادات العسكرية والقوى المشرفة والميدانية الداعمة لهذه التحشيدات المسؤولية الجنائية المباشرة والقيادية (Command Responsibility) عن هذه الانتهاكات التي لا تسقط بالتقادم في القانون الدولي.
- المسؤولية الإعلامية: تتحمل القنوات والمنصات التي تروج أو تبرر أو تبث هذه المشاهد دون إدانة مسؤولية أخلاقية وقانونية في التحريض على استمرار الانتهاكات وإذكاء خطاب الكراهية.

- اختبار الإنسانية والأخلاق:
- إن حماية الأسير والمنسحب والأعزل ليست مجرد نصوص في أوراق، بل هي اختبار حقيقي لإنسانية وأخلاق الشعوب والأفراد. وإن ما ارتكب بحق أولئك الأسرى في ذوباب من قتل ودهس وتنكيل يمثل سقوطاً مدوياً تجتمع على إدانته أحكام القرآن الكريم والسنة النبوية، ووصايا الخلفاء والفاتحين، وأعراف وأسلاف القبيلة اليمنية الأصيلة، والمواثيق والمعاهدات الدولية كافة. وتقتضي العدالة وموجبات الحق ومواثيق الإنسانية إدانة هذه الجرائم بوضوح، وملاحقة مرتكبيها والمحرضين عليها حتى ينالوا جزاءهم الرادع أمام القضاء والمحاكم الدولية والمحلية المختصة.

*مؤلف «سلسلة الحقوق والحريات في الإسلام»

حول الموقع

سام برس