بقلم/ القاضي د. حسن حسين الرصابي
تتداعى التقارير الصحفية والتحليلات السياسية بين الحين والآخر لتكشف عن تحركات ومساعٍ حثيثة تُدار بأدوات البحث عن غطاء خارجي واستدعاء وكلاء جدد للحسم في الملف اليمني المعقد. وأمام هذا المشهد المتداخل، تجد الأمة نفسها أمام ضرورة ملحة لقراءة هذه التكتيكات وتفكيك أبعادها بعيداً عن التهويل الإعلامي والرهانات الطارئة.

أولاً: أزمة الرؤية وارتهان الخيارات
إن اللجوء المتكرر للبحث عن أدوات خارجية أو الاستعانة بتشكيلات عابرة للحدود لمواجهة القوى الوطنية والإقليمية لا يعبر عن امتلاك زمام المبادرة، بل يعكس إفلاساً في الخيارات الاستراتيجية وأزمة عميقة في صناعة القرار.

لقد أثبتت تحولات التاريخ السياسي في المنطقة أن قضايا الشعوب وسيادتها لا تُستورد، وأن بناء التوازنات على أكتاف أدوات مأجورة أو تحالفات هشة لا ينتج عمقاً أمنياً، بل يضاعف حالة الانكشاف ويجعل صانع القرار رهينة لاشتراطات وتوازنات تخرج عن نطاق السيطرة وتستنزف المقدرات.

ثانياً: تناقض الأولويات واختلال البوصلة
تتجلى المفارقة الفاقعة حين تُستنفر الطاقات وتُحشد الإمكانيات لخوض حروب بينية واستحداث جبهات جديدة ضد مكونات أصيلة في الجغرافيا العربية والإسلامية، في وقت تخوض فيه الأمة معركة وجودية ضد العدوان الصهيوني والتحديات التي تستهدف كرامتها وسيادتها.

إن الشجاعة السياسية والإرادة الحقيقية لا تُختبر في استعداء الأشقاء أو إدارة الصراعات بالوكالة، بل في توجيه القدرات نحو القضية المركزية الجامعة—وفي مقدمتها دعم الشعب الفلسطيني والمقاومة العربية لتحرير الأراضي المحتلة في الجولان وجنوب لبنان وكل شبر مغتصب. هناك فقط تتلاشى الذرائع الواهية، وتُختبر صدق المواقف، وتتوحد الشعوب خلف رؤية جامعة لا تضل فيها البوصلة.

ثالثاً: طبيعة المعادلة اليمنية وحدود المناورة
برهنت سنوات الصراع المتعاقبة أن الشأن اليمني يمتلك ديناميكيات خاصة تنبع من أصالته التاريخية وتكوينه الاجتماعي العصي على الاستيعاب أو الإخضاع عبر المشاريع الخارجيّة. وإن الرهان على استجلاب الفاعلين الخارجيين للتخلص من "هواجس المخاوف" لن يحقق حسماً ولا استقراراً، بل سيزيد من تعقيد المشهد وإطالة أمد المعاناة الإنسانية والاقتصادية.

إن معالجة المخاوف الأمنية وتجاوز حالة الاستنزاف لا تكون بالهروب إلى الأمام واستدعاء المغامرين، بل بالاعتراف بمتطلبات السلام العادل، والتوقف عن تغذية الصراعات، والوصول إلى مقاربة سياسية شجاعة قائمة على التكافؤ، واحترام إرادة الشعوب، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
الخاتمة
إن الاستقرار الحقيقي في المنطقة لن يُبنى بجمع الأضداد أو استئجار البنادق، بل بالعودة إلى المبادئ الاستراتيجية التي تصون كرامة الأمة ومصالحها العليا. وما لم تُصحح البوصلة وتُصوب الجهود نحو التهديد الوجودي الحقيقي الذي يستهدف الجميع، ستظل كافة التحركات الاستقطابية مجرد حرث في البحر وإعادة إنتاج للأزمات.

حول الموقع

سام برس