سام برس
تعتمد الطروحات القائمة على نظرية "الاستدراج الجيوسياسي" على فرضية مفادها أن الصراعات الإقليمية والتحالفات الممتدة ما هي إلا مصائد مُصممة لجر القوى المركزية إلى حروب استنزاف جانبي. وفي هذا السياق، يبرز التساؤل الملحّ حول مدى دقة تصوير التحركات الدفاعية أو التكتلات الإقليمية المستحدثة — لاسيما ما يتردد حول محاولات الدفع بما يُسمى "تحالف مكة" للانخراط في أتون الحرب اليمنية — بالتوازي مع الضغوط الأمريكية المباشرة، بالتنسيق مع الكيان الإسرائيلي، لتوريط أطراف إقليمية وعالمية جديدة مثل تركيا، ومصر، وباكستان، وصولاً إلى احتمالية انزلاق قوى دولية كبرى كـ فرنسا وبريطانيا بحجة حماية الملاحة وتأمين المصالح الاستراتيجية في البحر الأحمر وباب المندب.

وما يؤكد هذا المنحنى التصعيدي هي التصريحات المتتالية والتحركات الدبلوماسية والاستخباراتية (مثل مساعي الإدارة الأمريكية للتواصل مع قوى إقليمية لردع "أنصار الله")، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول محاولات أطراف غريبة استخدام الحلفاء الإقليميين كدرع ومخلب لجر المنطقة نحو جبهة صراع واسعة النطاق تخدم أجندات الهيمنة الغربية - الإسرائيلية.

1. استقلالية التقدير الاستراتيجي للدول الكبرى والإقليمية
إن اختزال مواقف دول وازنة بحجم مصر، تركيا، وباكستان، أو حتى انخراطها المحتمل ضمن أي صيغة تحالفية كـ "تحالف مكة"، في مجرد "استجابة عمياء لطُعم خارجي" يغفل تماماً التعقيد الحاكم لصنع القرار في هذه العواصم:
باكستان: تمتلك عقيدة عسكرية نووية وتعتمد قراراتها الاستراتيجية على توازن القوى في جنوب آسيا وأمنها القومي المباشر؛ لذا لا تخضع محدداتها السياسية للضغوط المباشرة أو الاندفاع غير المحسوب في صراعات بعيدة عن حدودها الجيوسياسية.

تركيا: تبني استراتيجيتها على تنويع الشراكات (بين الناتو، القوى الآسيوية، والإقليم) وتوسيع النفوذ الصناعي والعسكري، وتتحرك حصراً بناءً على حسابات النفوذ والمصالح الاقتصادية والأمنية الوطنية، لا سيما في ظل تقاطعات مصالحها المعقدة في البحر المتوسط والخليج.

مصر: تمتلك عقيدة عسكرية راسخة استوعبت دروس التاريخ تماماً، وتعتمد على حماية الأمن القومي المباشر (وفي مقدمته أمن البحر الأحمر وقناة السويس وحصتها في مياه النيل) وتجنب الانزلاق في حروب استنزاف مفتوحة خارج جغرافيتها الحيوية، مع تمسكها الدائم بالحلول السياسية ومنع تفكيك الاستقرار العربي.

2. الدخول الغربي المباشر: فرنسا وبريطانيا وديناميكيات البحر الأحمر
لم تعد معادلة الصراع مقتصرة على أطراف محلية أو إقليمية فحسب، بل دخلت الدول الأوروبية الكبرى — وفي مقدمتها فرنسا وبريطانيا — على خط المواجهة البحرية والعسكرية بحجة حماية الملاحة الدولية وتأمين خطوط التجارة العالمية. غير أن هذه المشاركة العسكرية الأوروبية تُقرأ ضمن سياقين:

حماية المصالح الحيوية: تأمين تدفق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية التي تأثرت بعمق جراء عمليات "أنصار الله" المساندة لغزة.
التبعية للاستراتيجية الأمريكية: الاندفاع الأوروبي غالباً ما يفتقر إلى رؤية سياسية مستقلة لإحلال السلام المستدام، مكتفياً بالانخراط في إدارات عسكرية للردع، وهو ما ينذر بتحويل البحر الأحمر إلى مسرح لتصفية الحسابات الدولية، ويجر هذه القوى نحو مستنقع استنزاف طويل الأمد إن لم يتم تغليب المسار الدبلوماسي.

3. التهديدات الحيوية في مواجهة "وهم الاستدراج المطلق"
إن الربط المطلق بين المخاطر الأمنية وبين مساعي الاستدراج الخارجي يغفل حقيقة أن التهديدات في أقاليم حيوية كالبحر الأحمر ومضيق باب المندب ليست مجرد "ذرائع وهمية"، بل هي أزمات وجودية واقتصادية حقيقية تؤثر بشكل مباشر على:
لأمن القومي واقتصاد الدول المشاطئة (وعلى رأسها مصر عبر تراجع إيرادات قناة السويس بشكل غير مسبوق).
الأمن الغذائي والاقتصادي العالمي.
ومن ثمّ، فإن التعاطي الإقليمي مع هذه التهديدات لا يحدث دائماً نتيجة "انسياق خلف فخاخ أمريكية - إسرائيلية مدبرة"، بل يُدار أحياناً في سياق "إدارة المخاطر الحتمية" لحماية الاستقرار ومنع تحويل الممرات المائية إلى ساحات ابتزاز جيوسياسي دائمة.

4. قراءة "تحالف مكة" والتصريحات الغربية: الردع أم التنفيذ؟
إن محاولات الدفع بصيغ ائتلافية جديدة — مثل "تحالف مكة" أو غيره — وربطها بالتوجهات الأمريكية والإسرائيلية لردع اليمن، يجب أن تُقرأ بحذر شديد وفق التالي:
الحرب النفسية والسياسية: غالباً ما تُستخدم هذه التسميات والمقترحات ضمن أدوات "الضغط السياسي والردع الإعلامي" المتبادل، ولا تعني بالضرورة وجود إجماع إقليمي أو قدرة عملية على شن حروب هجومية واسعة النطاق.
وعي الحلفاء بتكلفة الاستنزاف: أثبتت تجارب السنوات الماضية أن دول المنطقة باتت تدرك تماماً كلفة الحروب بالوكالة التي تديرها قوى خارجية لتحقيق مكاسبها الخاصة على حساب دماء واستقرار الإقليم؛ ولذلك تسود حالة من الحذر الشديد والتمسك بالتهدئة وتجنب الانخراط في أي مسارات عسكرية تصعيدية جديدة يرسم خطوطها البيت الأبيض أو تل أبيب.
خاتمة تحليلية:

إن المشهد في اليمن والمنطقة يعيش مرحلة بالغة التعقيد، يتقاطع فيها "صراع الإرادات الدولي" مع "توازنات الرعب الإقليمية". وفي ظل سعي واشنطن وتل أبيب لتوريط قوى جديدة وتشكيل تحالفات عابرة للحدود (سواء تحت غطاء حماية الملاحة أو عبر صيغ سياسية ودينية كتحالف مكة، ومروراً بالدور العسكري لفرنسا وبريطانيا)، تظل القوى الإقليمية الكبرى أمام اختبار دقيق: إما السقوط في فخ الاستنزاف المرسوم غربياً، أو فرض استقلالية القرار الاستراتيجي عبر تغليب الحلول السياسية الإقليمية وتحصين الأمن القومي بعيداً عن الأجندات الخارجية .

حول الموقع

سام برس