سام برس
بقلم/ القاضي الدكتور حسن حسين الرصابي
في أزمنة التحولات الكبرى، وحين تشتد الصعاب وتتكالب الأزمات، تتقشر القشور الزائفة عن وجه الحياة لتكشف عن الحقائق عارية بلا رتوش.
وحين يطرق المرء بصره فيما يُسمى بمواسم "الأعياد المستوردة" كعيد الحب، يبرز السؤال الملحّ الذي لا مناص من مواجهته: هل ما زال بين ظهرانينا -في اليمن ودول الإقليم المكتوية بنار المآسي والهوان- متسع لمثل هذه الترفات، أم أن الواقع قد أعاد صياغة مفاهيمنا من أسسها؟
إن التأمل في طبيعة العلاقات الإنسانية المعاصرة يضعنا أمام مفارقة مُرة؛ أفلا نكاد نرى أن "الاحتياج" بات هو البديل الحاضر بقوة، والمهيمن على تفاصيل مشاعرنا؟
أوهام القرب ومحطات التعلق
حين نسائل أنفسنا بصدق: هل نحب الأشخاص لذواتهم، أم نحب ما يقدمونه لنا من اهتمام وأمان واحتواء؟ تتكشف لنا مساحات شاسعة من الوهم. أحيانًا، لا نشتاق إلى إنسان بعينه، بقدر ما نشتاق إلى "الشعور" الذي يمنحنا إياه. فنحن لا نتمسك بمن نحب لأنه استوطن الروح فحسب، بل ربما خشية من مواجهة وحشة الحياة وحدنا، أو هربًا من فراغ داخلي يكاد يطبق على الأنفاس.

لقد تحولت العلاقات في كثير من المشاهد الفإلى تبادل أدوار لسد الفراغات؛ نقترب لأننا نحتاج، ونبتعد حين ينتهي الاحتياج أو ينتفي الغرض. وحين تتداخل خطوط المشاعر، نخلط بين الحب الحقيقي والتعود الأليف، وبين الاشتياق الخالص والخوف الدفين من الوحدة القاتلة.

الحب في زمن الجراح والتقشف الروحي
لا يُقصد من هذا نفي وجود الحب من أصله؛ فالحب فطرة بشرية لا تموت، وهو طاقة النور التي تعصم الروح من الانطفاء. لكن السؤال المشروع: هل ما زال نقيًّا طاهرًا كما نتصوره في كتب الأدب والقصائد الخالدة؟ أم أنه أُثقل بحسابات المصالح وتقلبات الظروف وقسوة الواقع؟
في بيئتنا العربية والإسلامية، ولا سيما في وطننا اليمن الحبيب الذي يعاني مرارة الحصار والهوان، يبدو الحديث عن طقوس "عيد الحب" الورديّة وكأنه غفلة عن نبض الشارع وهموم الأمة. هنا، لا تبدو المشاعر ترفًا، بل تصبح امتدادًا لمعركة الصمود البشري؛ غير أن العلاقات الإنسانية والروابط الاجتماعية ذاتها قد خضعت لضغط الحاجة. صار الإنسان يبحث عمن ينتشله من غربة الواقع، وصار الأمان العاطفي ملاذًا من قسوة الأيام.

هل نحن نحب.. أم نحتاج من يحبنا؟
بعيدًا عن دكاكين العاطفة التجارية وعباراتها المثالية المستهلكة، يظل التساؤل الأعمق قائمًا: هل ما زلنا نحب فعلًا، بلا شروط وبلا حسابات مسبقة؟ أم أننا لسنا سوى باحثين عن كتف نلتمس عنده بعض الدفء، وعن قلب يبدد عنا وحشة الطريق؟
إن الوفاء الحقيقي، والحب الذي يتجاوز عواصف المصلحة وتقلبات الأيام، هو العملة الأندر اليوم. وحين يصفو المعدن، يظل الحب النقي شمعة مضاءة في نفق الظلام، تذكرنا بأننا بشر لسنا آلات تستجيب فقط للإيعاز، وأن الأمل ببقاء النقاء الإنساني رغم كل شيء هو ما يمنح الحياة معناها وجدواها.

حول الموقع

سام برس