سام برس
".. يندرج عملي الفني ضمن مقاربة تعبيرية وعلاجية ... لقد منحني الفن طريقًا لاكتشاف الذات..".
شمس الدين العوني
يظل الرسم و التلوين من عوالم الفن حيث الذات التي تروم القول بما يعتمل في الدواخل تواصلا و كشفا و اكتشافا مع عناوين هذا الفن الذي يفتح دروبه بوجه مريديه من الراغبين في الابداع و الابتكار و في التواصل و النهل من الينابيع ...ينابيع الجمال الفني و تعبيراته المتعددة .
و الفنان هنا بمثابة ذلك الطفل الذي يرتجي من منجزه بهجة ذاته الحالمة و الآخرين وفق نظرته و أسلوبه و ما حصله من تجارب يبدو معها الاشتغال الفني بمثابة اللعب مع التلوين و الرسم بمختلف ضروب الفن الأخرى وصولا الى نهاية العمل ما يجعله في خانة العلاقة مع المتلقي و انطباعاته و ملاحظاته .
انها حكاية الفن التي تتعدد عوالمها و شخوصها و ملابساتها في مختلف فترات التشكل و التكوين.هذه الحكاية التي لها الأسرار و التجليات و النجاحات و الخيبات ..و الفنان هنا يتفاعل مع ممكنات هذه اللعبة و العلاقات معها و ادارتها بما هو متاح و ممكن من الخبرات و الرؤى تقصدا و حلما و نزوعا نحو الجمال و الاقناع و الابداع ليكون كل هذا موكولا للعمل ذاته و للتجربة.
في هذه العلاقة بالفن و منه الرسم و التلوين نمضي مع مجالات عمل الفنانة التشكيلية أميرة الذوادي التي تخيرت في عملها الفني النظر تجاه الأمكنة و المشاهد و المواضيع التي تشغل حلمها الفني حيث تنوعت لوحاتها و منها تلك المتصلة بالجوهر و العمق من خلال التواصل بالرسم مع المكان و منه مثلا المدينة حيث كانت لوحتها الزيتية
" حكايات المدينة " معبرة عن جمال الأزقة و الأقواس و السكينة و الهدوء في مدينة ضاربة في القدم و التاريخ..و في ذات السياق كانت اللوحة الفنية التي جاءت مشحونة بمكونات مدينة تونس من أمكنة جميلة بخصائص و مميزات جعلت من المدينة مجالا للحكايات المعبرة عن تاريخ و حضارة و رموز و عنوانها " تونس… حكاية عشق "
و هي لوحة شاركتُ بها الفنانة أميرة الذوادي في معرض الجائزة الكبرى للفنون التشكيلية بمدينة تونس و الذي دار موضوعه حول تونس بين التقاليد والحداث و تقول عنها صاحبتها "...تجسّد اللوحة حوارًا بصريًا بين الماضي والحاضر من خلال شخصيتين رمزيّتين:
الرجل بثيابه التقليدية، يعزف على العود، في رمزيةٍ للأصالة والجذور و المرأة بثيابها العصرية، تجسيدًا للحاضر والانفتاح و يدور بينهما حوار صامت يرمز إلى العشق والترابط، رغم المسافة التي تفصل بين عالميهما و في خلفية المشهد، تتناثر مباني ومعالم مدينة تونس، إلى جانب المترو، وسيلة النقل الشهيرة، و الساعة العملاقة "المنقالة" في شارع الحبيب بورقيبة، في إشارةٍ إلى السفر عبر الزمن الذي يربط بين تونس القديمة وتونس الحديثة..و هكذا تبقى العلاقة بين الماضي والحاضر حكاية عشق أزلية، لا يفصلها سوى الزمن ..".
و تتعدد أعمال الفنانة التشكيلية أميرة الذوادي بمواضيع مختلفة حيث تسعى للتعبير الفني من خلال شحنة من الحنين و ما هو بين الأصيل و الجديد في نزوع للقول بالفن في صلته بتجليات الذات الانسانبة و متغيراتها و ما هو قيمي و معبر عن الأعماق و جواهر الأشياء و من ذلك لوحة الى صمود غزة و شهدائها و أطفالها الجياع حيث العدوان الصهيوني الأمريكي و الابادة ليكون الفن هنا شاهدا على الظلم و البشلعة و منتصرا للقيم الجميلة و للسلام و الحق..و هناك لوحة الطبيعة الميتة و غيرها...
هذا و تتعدد مشاركات الفنانة في المعارض الفنية الجماعية حيث تعد لمعرضها الفني الشخصي الذي يضم مختلف لوحاتها المنجزة من سنوات ..و في هذا الجانب تقول الفنانة أمر الذوادي عن تجربتها الفنية و بداياتها "... كان للرسم مكان مميز في حياتي و ذلك منذ صغر سني، فخلال العطل المدرسية، كنت أشارك بشغف كبير في نوادي الرسم. ولم تفارقني هذه الرغبة في الفن أبدًا، و عندما اخترت التخصص العلمي في الجامعة، واصلت هذا الغرام بالرسم و الألوان مكن خلال الانضمام إلى نوادي الرسم لتغذية إبداعي و بعد أن بدأت حياتي المهنية، وضعت هذا الشغف جانبًا بسبب مسؤوليات العمل والحياة الأسرية. لكنّ حاجة داخلية عميقة أعادتني تدريجيًا إلى عالم الرسم. بدأت أرسم بمفردي في المنزل، ثم انضممت إلى ورشة للرسم يشرف عليها الفنان الكبير حمدة دنيدن في قاعة عرض "كاليستي" و ذلك لمدة سنتين، قبل أن ألتحق بورشة أخرى بإشراف الرسام سالمى علية الصغير.و بمرور الزمن كانت أول مشاركة لي في معرض جماعي سنة 2018 في قاعة العرض "صوفونيبه"بضاحية قرطاج. ومنذ ذلك الوقت، تعزز التزامي الفني، فالتحقت باتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين، والرابطة التونسية للفنون التشكيلية، وكذلك بالجمعية التونسية للفنانين التشكيليين العصاميين. وقد شاركت في أغلب الفعاليات التي نظمتها هذه الجمعيات الفنية... و شيئًا فشيئًا، بدأت أدرك أن الرسم لم يكن بالنسبة لي مجرد هواية أو شغف، بل كان شكلًا حقيقيًا من أشكال العلاج.قادني هذا الاكتشاف إلى تغيير مساري المهني. فبعد أن تحصلت على تكوين أكاديمي في التسويق من المعهد العالي للتصرف في قرطاج، ثم على ماجستير في التجارة الدولية من المعهد العالي للتصرف بتونس، اخترت أن أتوجه نحو العلاج بالفن. تابعت تكوينًا في هذا المجال، بالإضافة إلى التكوين في التنويم الإيحائي على الطريقة الإريكسونية.اليوم، يندرج عملي الفني ضمن مقاربة تعبيرية وعلاجية في الوقت نفسه. لقد منحني الفن طريقًا لاكتشاف الذات...".
هكذا هي العملية الفنية التشكيلية في سياق اشتغالات الرسامة أميرة الذوادي التي تسعى لمعرضعا الشخصي مع بدايات العام الجديد 2026 في لقاء مع أحباء الرسم و الألوان عبر ما تقترحه من أعمال فنية مختلفة.



























