بقلم/ محمود كامل الكومي
لم تكن نظرية «الحزام المحيطي» التي صاغها دافيد بن جوريون في خمسينيات القرن الماضي مجرد اجتهاد جيوسياسي عابر، بل كانت مشروعًا استراتيجيًا متكاملًا لتطويق العالم العربي، وضرب مركز ثقله التاريخي: مصر وسوريا.

الفكرة بسيطة في ظاهرها، وخبيثة في جوهرها: محاصرة العرب عبر قوى غير عربية أو وظيفية—تركيا، إيران الشاه، وإثيوبيا— لتحويل الصراع من مواجهة مباشرة مع إسرائيل إلى طوق خانق طويل الأمد.

جمال عبد الناصر كان الزعيم العربي الوحيد الذي فهم النظرية مبكرًا، وتعامل معها كخطر وجودي لا سياسي، فواجهها لا بالشعارات، بل بخطوات عملية كسرت أضلاع الحزام واحدًا تلو الآخر. وكانت ثورة اليمن 1962 واحدة من أكثر هذه الخطوات عمقًا وإساءة للفهم لاحقًا.
اليمن… الحلقة الجنوبية في الحزام المحيطي
في الوعي السطحي، بدت اليمن بعيدة عن الصراع العربي–الإسرائيلي، لكن في الحسابات الاستراتيجية كانت مفتاح البحر الأحمر وباب المندب، أي الشريان الجنوبي لقناة السويس.
ومن يسيطر على باب المندب، يستطيع تهديد القناة، خنق التجارة، أو إدخال مصر في ابتزاز دائم.
نظام الإمامة في شمال اليمن، المنغلق والمعزول، كان بيئة مثالية للاختراق الخارجي، تمامًا كما كان الجنوب اليمني خاضعًا للاستعمار البريطاني. ولو تُرك اليمن خارج الفعل القومي العربي، لتحوّل سريعًا إلى قاعدة متقدمة ضمن الحزام المحيطي، تُدار ضد مصر من الجنوب، كما تُدار سوريا من الشمال.
لماذا أرسل عبد الناصر الجيش المصري إلى اليمن؟
إرسال الجيش المصري لم يكن مغامرة، ولا تصديرًا للثورة كما ادّعى خصوم عبد الناصر لاحقًا، بل قرارًا استراتيجيًا مركّبًا له ثلاثة أهداف متداخلة:
تحرير اليمن من نظام الإمامة الرجعي، ومنع تحويله إلى أداة معادية.
تأمين البحر الأحمر وباب المندب بوصفهما الامتداد الطبيعي لأمن قناة السويس.
حماية الأمن المائي المصري عبر الاقتراب الجغرافي من إثيوبيا، ضلع الحزام الأخطر.
هنا تتجلى عبقرية الرؤية الناصرية.
اليمن… عين مصر على إثيوبيا
في الستينيات، لم يكن سد النهضة قد شُيّد، لكن فكرة التحكم في منابع النيل كانت مطروحة بوضوح في الدوائر الغربية والإسرائيلية. ورغم أن عبد الناصر تقارب جدا من امبراطور اثيوبيا. .إلا أنه لم يأمن....
لإثيوبيا، الحليف التقليدي لإسرائيل، فصارت ولا تزال عنصرًا محوريًا في تطويق مصر مائيًا، وهو ما فهمه عبد الناصر قبل أن يتحوّل إلى أزمة وجودية بعد عقود.
الوجود العسكري المصري في اليمن، على مقربة مباشرة من القرن الإفريقي، لم يكن استعدادًا لحرب، بل امتلاكًا لأداة ردع استراتيجية:
مراقبة أي تحرك إثيوبي يهدد النيل ، توجيه رسالة بأن المياه ليست ملفًا تفاوضيًا فقط،
وأن لمصر قدرة—ولو غير مُعلنة—على الرد من جغرافيا قريبة وحساسة.
عبد الناصر: الأمن القومي لا يُدار من الحدود في العقيدة الناصرية، لم يكن أمن مصر محصورًا في خط الحدود، بل ممتدًا:
من منابع النيل في إفريقيا،
إلى باب المندب جنوبًا،
إلى اللاذقية ودمشق شمالًا.
ولهذا:
أجهض ناصر الغزو التركي لسوريا عام 1957 وتراجع عدنان مندريس
حارب حلف بغداد، اداة تطويق مصر وسورية
واجه شاه إيران، حليف الصهاينة ,وناصر ثورة مصدق...
وأغلق الحلقة الجنوبية للحزام المحيطي عبر اليمن.
واستقطب امبراطور أثيوبيا هيلاسلاسي.
بعد عبد الناصر… عاد الحزام واكتمل الطوق.

برحيل عبد الناصر، تراجعت الرؤية الشاملة، وعادت نظرية الحزام المحيطي بأدوات جديدة:
سقطت سوريا في دوامة التفكيك منذ 2011، وتماهى الجولاني مع إسرائيل .
تمددت تركيا في الشمال السوري،
أُعيد فتح البحر الأحمر أمام إسرائيل،
وتحوّلت إثيوبيا من جار يمكن احتواؤه إلى تهديد مائي مباشر.
بل الأخطر أن الحزام تغيّر شكله:
خرجت إيران الشاه،
ودخلت الإمارات كدولة وظيفية تطبيعية ، وصارت إثيوبيا رأس الحربة في خنق مصر مائيًا.
الخلاصة: قراءة متأخرة لقرار مبكر
ثورة اليمن 1962 لم تكن عبئًا على مصر، بل درعًا استراتيجيًا أُسقط لاحقًا.
وما نواجهه اليوم—من تهديد النيل، إلى اختراق البحر الأحمر، إلى تفتيت سوريا—ليس إلا عودة مكتملة لنظرية الحزام المحيطي التي حاربها عبد الناصر مبكرًا وانتصر عليها مؤقتًا.
السؤال الحقيقي لم يعد:
هل أخطأ عبد الناصر في اليمن؟
بل:
كيف خسرنا اليمن، فخسرنا البحر، والنهر، ثم القلب العربي كله؟
«حين تُدار سقطرى من خارج اليمن، ويُؤمَّن باب المندب لغير العرب، ويُترك سدّ النهضة يعلو بلا ردع، وتركيا تعربد في سورية وليبيا ، نكون أمام نسخة، مكتملة من الحزام المحيطي…

*كاتب ومحامي مصري

حول الموقع

سام برس