سام برس
ها هي نسائم العام الهجري الجديد تهبُّ على الأرواح، والقلوب تتطلع بلهفة وإجلال إلى عهدٍ إيماني متجدد مع نداء السماء. إن "شهر الله المحرَّم" ليس مجرد محطة زمنية تُطوى في سجلات الأيام، بل هو فاتحة أشهر العام، وفاتحة الأشهر الحُرُم، وميقاتٌ رباني عظيم أضافه المولى سبحانه إلى نفسه تشريفاً وتعظيماً؛ ليكون لنا منطلقاً لإعادة ترتيب الفوضى في نفوسنا، وترميم ما أفسدته صراعات الدنيا وشواغلها، وغسل غبار "التفريط" بماء "الاستغفار والعمل الصالح".
* الخصوصية والفضائل المطلقة لشهر الله المحرم
لقد أراد الحق تبارك وتعالى أن تبدأ الأمة الإسلامية عامها بمحطة عبادة متميزة، تتجلى فيها معاني الطاعة وتزكية النفوس، وجعل الشارع الحكيم من الصيام في هذا الشهر تجارة رابحة وموسماً جليلاً للثواب، يأتي في المرتبة الثانية مباشرة بعد شهر رمضان المبارك. فالصيام فيه يمثّل ركيزة أساسية لبناء وتأهيل الروح المؤمنة، وفي هذا الصدد يقول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله: ((أفضلُ الصيامِ بعد رمضانَ شهرُ اللهِ المحرمُ، وأفضلُ الصلاةِ بعد الفريضةِ صلاةُ الليلِ)) [رواه مسلم].
إن إقبال المؤمنين على الصيام وإحياء الطاعات في هذا الشهر يسهم بشكل مباشر في صقل المعنويات وتطهير القلوب، مما ينعكس إيجاباً على سلوك المجتمع ورصّ صفوفه بيقين ثابت وعزيمة لا تلين.
* يوم عاشوراء وسُنّة التميز والتحرر
وفي قلب هذا الشهر المبارك، يبرز "يوم عاشوراء" (العاشر من محرم) كمعلم تاريخي وإيماني بارز؛ فهو اليوم الذي نجّى الله فيه نبيّه موسى عليه السلام وقومه من بطش فرعون وجبروته. ولكن التوجيه النبوي في صيام هذا اليوم، وصيام يوم قبله أو بعده، يحمل دلالة أعمق تتجاوز مجرد الذكرى، لتكرّس الهوية المستقلة للأمة وحمايتها من التبعية والانهزام النفسي أمام الثقافات الأخرى، ليبقى المسلم عزيزاً متبوعاً لا تابعاً.
* فاجعة كربلاء.. مدرسة التضحية ومقارعة الظلم
ولا يمكن أن يمر علينا شهر محرم الحرام دون أن نستحضر الحدث العظيم والفاجعة الأليمة التي هزت وجدان الأمة الإسلامية؛ وقعة كربلاء واستشهاد سبط رسول الله، وسيد شباب أهل الجنة، الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب -عليهم السلام-، الذي مضى مظلوماً ومحتسباً في سبيل إعلاء كلمة الحق، ومواجهة الانحراف والطغيان، وحماية قيم العدل والحرية في أمة جده صلوات الله عليه وعلى آله.
إن كربلاء لم تكن مجرد معركة عابرة، بل هي صرخة حق مدوية في وجه الباطل عبر الأجيال، تعلّمنا أن كرامة الأمة ومبادئ دينها أغلى من الدماء والنفوس، وأن الصمت على الظلم واغتصاب الحقوق هو الهلاك بعينه. ومن هنا، فإن إحياء هذه الذكرى يجب أن يكون استنهاضاً للقيم الإنسانية والإسلامية الرفيعة، ورفضاً لكل أشكال الاستكبار والظلم المعاصر.
* نداء وترشيد إلى خطباء المساجد والدعاة الأفاضل
أيها الإخوة الأجلاء.. يكفي تكراراً للمواضيع التقليدية التي حفظها الناس عن ظهر قلب، واستثمروا منابركم فيما يصلح واقع الأمة ويقوّم سلوك المجتمع؛ انزلوا إلى واقع الناس وعالجوا مظالمهم وقضاياهم بالأهم ثم المهم، وبدلاً من تكرار الأحكام الظاهرة دون روحها:
- أخبروهم: أن من يصوم هذا الشهر ويقومه، وهو يسكن في بيت اغتصبه من يتيم أو من ضعيف، أو يستولي على أرض بغير حق، فلا صيام له ولا قبول لعمله، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.
- أخبروهم: أن من يطعم أولاده وأهله من مال رشوة أو مال منهوب، أو كسب محرم، ثم يرجو بركة الصيام والدعاء، إنما يخدع نفسه، فالمال الحرام نبتُ النار وصاحبه محجوب عن السماء.
- أخبروهم: أن التوبة من المظالم والذنوب تبدأ أولاً برد الحقوق إلى أهلها، فلا توبة مقبولة ولا نافلة نافعة لمن يحمل في ذمته مظلمة لعبد من عباد الله.
- أخبروهم: بـأن من يمنع أخواته وبناته من ميراثهن الشرعي ويأكل حقوقهن بالباطل مستقوياً بأعراف جاهلية، فإن صلاته وصيامه وصدقته لا تجاوز رأسه، ومأواه الطرد من رحمة الله.
- أخبروهم: أن الدين ليس مظاهر جوفاء، بل هو معاملة وصدق وأمانة؛ ومظالم العباد لا فكاك منها إلا بالتوبة الصادقة وإعادة الحقوق كاملة غير منقوصة.
- أخبروهم: بعظم صلة الأرحام، وبر الوالدين، وحقوق الجار، وحرمة المال العام، وصون الطريق العام وإماطة الأذى عنه، فكلها صدقات وقربات تصلح بها الحياة.
- أخبروهم: بمسؤوليتهم الجسيمة أمام الله تجاه أولادهم وتربيتهم وتوجيه سلوكهم، وحذروا من احتكار السلع والمغالاة على الفقراء، فإن المحتكر ملعون ومطرود من مظانّ الرحمة.
- أخبروهم: عن نقص الموازين، والتحايل في التجارة، وتغيير تاريخ الصلاحية، وما يترتب على ذلك من عواقب وآثام؛ وادعوهم للمناصحة في الحق، وتيسير الزواج، وترك المباهاة في الحفلات والولائم، وحثّوهم على الفضائل والتراحم.
إن الغاية الأسمى من كل هذه المواسم الإيمانية، من صيام وصلاة وذكر، هي تحقيق التقوى العملية التي تغير السلوك وتنهض بالمجتمع، لكي يهنأ الناس وتتحقق العدالة، وتزكو النفوس بشرع الله الحكيم.
اللهم بارك لنا في عامنا الجديد، واجعل شهر المحرم فاتحة خير وأمن واستقرار لليمن العزيز ولسائر بلاد المسلمين، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
بقلم: العميد القاضي الدكتور حسن حسين الرصابي
*نائب رئيس لجنة توحيد الخطاب الديني في الجمهورية اليمنية


























