بقلم / عادل عبدالله
في كل عام ومع اقتراب شهر رمضان المبارك تنشغل المجتمعات الإسلامية ــ رسميا وشعبيا ــ بترقب هلال الشهر الفضيل. تتسابق اللجان الشرعية ودور الإفتاء ووسائل الإعلام لإعلان خبر الرؤية ويقدم الحدث بوصفه لحظة إيمانية جامعة تستحضر فيها قدسية الزمان وعظمة الشعيرة.
غير أن هذا المشهد المتكرر يفتح بابا واسعا للتساؤل، لا عن مشروعية الرؤية ولا عن مكانتها الدينية بل عن ذلك التناقض الصارخ بين الاحتفاء بالشعائر الظاهرة والتغاضي المستمر عن معاناة إنسانية يومية تعيشها فئات واسعة من الفقراء والمهمشين.
على مدار العام لا يحتاج الفقر إلى تلسكوبات ولا إلى لجان تحر فصور المعوزين واضحة للعيان في الشوارع والأحياء المهمشة وعلى أطراف المدن وداخلها.
رجال ونساء وأطفال يفترشون الأرض ويلتحفون السماء يبحثون عن لقمة تسد الرمق وقد يجدونها في براميل القمامة أو لا يجدونها أصلا.
هذه المشاهد لا تخضع لاختلاف المطالع ولا لاجتهادات فقهية بل هي واقع صارخ حاضر في وضح النهار ومع ذلك نادرا ما تحظى بذات الحماسة أو بنفس الاستنفار المؤسسي والإعلامي الذي يرافق إعلان دخول شهر الصيام.
التدين الشكلي لا يكمن في أداء الشعائر بحد ذاتها فالصلاة والصيام والزكاة أركان لا خلاف عليها وإنما يتجلى حين تختزل القيم الدينية في مظاهر موسمية وتفرغ من جوهرها الإنساني والاجتماعي.
فالدين في جوهره ليس طقوسا منفصلة عن واقع الناس بل منظومة أخلاقية تنحاز للفقراء وتضع كرامة الإنسان في صدارة مقاصدها.
رمضان لم يشرع ليكون شهر الامتناع عن الطعام فقط بل شهر الإحساس بالآخر وموسما لمراجعة الضمير الفردي والجماعي تجاه العدالة الاجتماعية.
المفارقة المؤلمة أن الخطاب الديني في كثير من الأحيان يزدهر في الحديث عن فضائل الصيام وثواب القيام بينما يخفت صوته حين يتعلق الأمر بمسؤولية المجتمع والدولة تجاه الجوع والحرمان.
تنظم الموائد الرمضانية وتلتقط الصور وتوزع الصدقات في إطار احتفالي عابر ثم ينتهي الشهر لتعود الأوضاع إلى ما كانت عليه وكأن الفقر ضيف موسمي لا يستحق المعالجة الجذرية. هكذا يتحول التكافل من قيمة مستدامة إلى نشاط مناسباتي ومن واجب أخلاقي إلى مادة دعائية.
إن أخطر ما في التدين الشكلي أنه يمنح شعورا زائفا بالرضا الأخلاقي ويسكن الضمير دون أن يغير الواقع. حين نكتفي بمراقبة الهلال ونعجز عن رؤية الجائع فإننا نكون قد فصلنا بين العبادة ومقاصدها وبين النص وروحه.
وحين تدار الشأن الديني بمنطق الطقس أكثر من منطق الرسالة يصبح السؤال مشروعا: هل نحتفي برمضان لأنه شهر الرحمة أم لأنه مناسبة تتكرر فيها المظاهر دون أن تلامس جذور الألم؟
ليس المطلوب التقليل من شأن الشعائر أو التشكيك في نيات القائمين عليها بل إعادة التوازن إلى الخطاب والممارسة. أن تكون رؤية الهلال مدخلا لرؤية الإنسان وأن يكون إعلان الصيام تذكيرا جماعيا بمسؤولية إطعام الجائع ورفع الظلم ومواجهة الفقر بسياسات عادلة لا بصدقات عابرة.
عندها فقط يستعيد التدين معناه الحقيقي ويتحول رمضان من موسم شكلي إلى محطة أخلاقية تعيد وصل السماء بالأرض والعبادة بالعدالة والإيمان بالإنسان.

حول الموقع

سام برس