بقلم/ د. حسن حسين الرصابي
دخلت منطقة الخليج العربي نفقاً دبلوماسياً شديد التعقيد، حيث تحول مضيق هرمز من مجرد شريان طاقة عالمي إلى "طاولة قمار سياسية" كبرى. وفي ظل عودة سياسة "الضغوط القصوى" التي ينتهجها الرئيس ترامب، وتصلب الموقف الإيراني، يبدو أن العالم يقف اليوم في عام 2026 على حافة منعطف قد يغير قواعد الاشتباك في المنطقة للأبد.
أولاً: المناورة الذكية الإيرانية بغية فصل المسارات
تحاول طهران اليوم اللعب بورقة "الجغرافيا السياسية" بذكاء لفك الخناق الاقتصادي المتزايد. المقترح الذي نقله *الوسيط الباكستاني* مؤخراً يمثل ذروة هذه المناورة؛ فإيران تعرض استقرار الملاحة وضمان أمن المضيق مقابل رفع "الحصار البحري" الأمريكي غير المعلن عن موانئها الحيوية.

جوهر الاستراتيجية الإيرانية هنا هو *"عزل الملفات"*. تسعى طهران لإقناع القوى الدولية بأن أزمة الملاحة هي "ملف ميداني تقني" يمكن تسويته بمعزل عن "الملف الاستراتيجي" (البرنامج النووي). وهي محاولة واضحة لكسب الوقت وتخفيف الاحتقان المعيشي في الداخل الإيراني، دون تقديم تنازلات تمس البنية التحتية النووية التي وصلت لمستويات حرجة من التخصيب.

ثانياً: "المقايضة الصعبة".. ثوابت ترامب وروبيو
على المقلب الآخر، لا تبدو إدارة البيت الأبيض في وارد القبول بأنصاف الحلول. فرغم إقرار الرئيس ترامب بتلقي مقترح "أكثر جدية" من سابقيه، إلا أن إدارته تدرك أن التنازل في هرمز دون ثمن نووي يعني منح طهران "قبلة حياة" مجانية تعزز نفوذها الإقليمي.
وهنا يبرز صوت وزير الخارجية *ماركو روبيو*، الذي يقود التيار المتشدد، مؤكداً على ثوابت واشنطن الراهنة:
1. *الربط الشرطي الصارم:* لا تهدئة دائمة في المضيق دون "تنازلات ملموسة" وموثقة في مستويات تخصيب اليورانيوم بـمنشآت "نطنز وفوردو".
2. *التدويل وكسر الابتزاز:* رفض مطلق لأي محاولة إيرانية لفرض "سيادة أحادية" على الممر المائي، والتمسك بكونه شرياناً دولياً لا يجوز تحويله إلى ورقة ضغط سياسي أو أداة لمقايضة العقوبات.

ثالثاً: العالم يدفع الثمن.. "أمن الغذاء" تحت التهديد
لم يعد الانسداد في هرمز شأناً ثنائياً بين واشنطن وطهران؛ فالعالم اليوم يواجه تهديداً حقيقياً لـ *أمنه الغذائي*. تعطل إمدادات الأسمدة (اليوريا والأمونيا) القادمة من المنطقة يهدد مواسم زراعية كاملة في قارات بعيدة، مما يضع الطرفين تحت مجهر الإدانة الدولية الأخلاقية.
داخلياً، يجد ترامب نفسه أمام مأزق "الناخب الأمريكي"؛ فارتفاع تكاليف التأمين البحري وقفزات أسعار السلع الناتجة عن توتر الملاحة، قد تقوض وعوده الاقتصادية الكبرى. هذا الضغط المزدوج يجعل من "التهدئة" ضرورة انتخابية لواشنطن، بقدر ما هي ضرورة بقاء للنظام في طهران.
*قراءة تحليلية:*
> "بينما تترقب العواصم الإقليمية ما ستسفر عنه جولات 'التفاوض عبر القنوات الخلفية' بعد تعثر الزيارات الدبلوماسية المباشرة، يبدو أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر للملاحة، بل أصبح 'رهينة سياسية' في مقامرة كبرى؛ حيث تسعى طهران لفك حصار موانئها دون مساس بطموحها النووي، في حين تصر واشنطن على أن مفتاح العبور الآمن يبدأ من تفكيك أجهزة الطرد المركزي."
مسارات الاستشراف: إلى أين تتجه البوصلة؟
في ظل هذا الانسداد، تبرز أمامنا صورتان للمستقبل القريب:
* *1. سيناريو "الهدنة التقنية":* التوصل إلى "اتفاق مؤقت" (هدنة اختبارية)، يتم بموجبه السماح بمرور شحنات محددة مقابل تجميد جزئي لبعض العقوبات المصرفية، وهو حل لتنفيس الاحتقان دون إنهاء جذور الأزمة.
* *2. سيناريو "الاصطدام القسري":* وهو المسار الأخطر، ويتحقق إذا ما قررت واشنطن فرض "تفتيش إلزامي" للسفن المتجهة من وإلى إيران. هنا سيتحول هرمز إلى ساحة مواجهة مفتوحة، قد لا تستطيع القوى الإقليمية احتواء شراراتها الأولى.
*الخلاصة:*
إن هرمز في عام 2026 ليس مجرد مضيق مائي، بل هو الميزان الذي سيحدد شكل "النظام الإقليمي الجديد". وبين مطرقة "السيادة الوطنية" وسندان "الأمن النووي"، يبقى العالم بأسره حابساً أنفاسه بانتظار من سيتراجع أولاً عن حافة الهاوية.

حول الموقع

سام برس