بقلم/ الدكتور / علي أحمد الديلمي
الخروج من ازمة الدولة في اليمن لن يتحقق فقط عبر تغيير الاشخاص او تبادل الادوار بين القوى السياسية بل يحتاج الى بناء منظومة ادارية جديدة تقوم على الشفافية والمحاسبة وتعيد تعريف العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة فسنوات الحرب والصراع لم تدمر البنية التحتية فقط بل اضعفت الثقة العامة وخلقت حالة من الفوضى والفساد والتداخل بين النفوذ السياسي والاداري حتى اصبحت مؤسسات الدولة عاجزة عن القيام بوظائفها الاساسية.

ومن المهم ان تتجه اي رؤية مستقبلية نحو انشاء برامج وهيئات رقابية مستقلة تمتلك صلاحيات حقيقية في مراقبة المال العام وكشف الفساد ومحاسبة المتورطين دون استثناء او حماية سياسية فغياب المحاسبة خلال العقود الماضية ساهم في ترسيخ ثقافة الافلات من العقاب وجعل الفساد جزءا من ادارة الدولة بدلا من كونه حالة استثنائية كما ان تعزيز استقلال القضاء واعادة بناء الاجهزة الرقابية يمثل حجر الاساس لاي مشروع اصلاح حقيقي.

كما ان الدولة تحتاج الى برامج ادارية حديثة تعتمد على التحول الرقمي والشفافية في التوظيف والانفاق والعقود الحكومية بحيث تصبح المعلومات متاحة للمواطن ووسائل الاعلام ومؤسسات الرقابة فكلما زادت الشفافية تراجعت فرص الفساد والمحسوبية ومن الضروري ايضا وضع معايير واضحة للكفاءة في شغل المناصب العامة بعيدا عن المحاصصة الحزبية والولاءات الضيقة التي انهكت مؤسسات الدولة وافرغتها من الكفاءات.

ولا يمكن تحقيق الاصلاح دون اشراك المجتمع في عملية الرقابة وصناعة القرار من خلال دعم منظمات المجتمع المدني وتفعيل دور الجامعات ومراكز الدراسات والاعلام الحر في مراقبة الاداء الحكومي وتقديم الرؤى والحلول فالدولة الحديثة لا تقوم فقط على السلطة بل على شراكة حقيقية بين المؤسسات والمجتمع كما ان نشر ثقافة المساءلة في التعليم والاعلام سيساعد على بناء وعي جديد يرفض الفساد ويطالب بالحقوق بطريقة سلمية ومستمرة.

وفي النهاية فان اليمن لا يحتاج فقط الى اتفاقات سياسية توقف الحرب بل الى مشروع وطني شامل يعيد بناء مؤسسات الدولة على اسس العدالة والشفافية والكفاءة لان استمرار الادارة العشوائية والفساد والصراعات الداخلية سيبقي البلاد في دائرة الانهيار مهما تغيرت التحالفات والوجوه بينما يمكن لوجود نظام مؤسسي واضح وقوانين عادلة ومحاسبة حقيقية ان يفتح الباب امام مرحلة جديدة تستعيد فيها الدولة هيبتها ويشعر المواطن بان هناك مستقبلا يمكن الوثوق به.

حول الموقع

سام برس