بقلم/ د. حسن حسين الرصابي
تأتي الحرب العدوانية التي يشنها التحالف "الأمريكي-الإسرائيلي" اليوم على إيران ولبنان، كفصلٍ جديد وأكثر دموية في محاولات إعادة صياغة المنطقة. إنها في جوهرها، وبكل أبعادها الجيوسياسية، ليست مجرد رد فعل عسكري، بل هي "جردة حساب" انتقامية ومحاولة يائسة لمحاصرة مفاعيل ملحمة "طوفان الأقصى". تلك الملحمة التي بدأت بفعل فلسطيني خالص، سرعان ما تحولت إلى نقطة ارتكاز انحازت لها قوى المقاومة العربية الإسلامية في لبنان واليمن والعراق، بدعم وإسناد من الجمهورية الإسلامية في إيران.
ورغم تفاوت مستويات الاشتباك وحجمه بين جبهة وأخرى، إلا أن هذه الجبهات توحدت في "وحدة المعنى والمصير"، لتشكل سداً منيعاً أمام مشروع احتلال لا يقنع بابتلاع فلسطين فحسب، بل يمتد طموحه الصهيوني لقضم المزيد من الجغرافيا العربية وتفتيت دولها، وهو ما سبق وأن حللنا أبعاده في كتابنا "الشرق الأوسط الجديد بأجندة صهيونية"، حيث حذرنا من خطورة الأطماع التوسعية التي تتجاوز حدود الجغرافيا التقليدية لتستهدف الهوية والسيادة العربية برمتها.
إن هذه المواجهة المفتوحة كشفت عن تهافت المخططات التي سعت طويلاً لفرض واقع الهيمنة عبر أدوات "الفوضى الخلاقة" أو مسارات التطبيع الواهمة. واليوم، حين تمتزج الدماء على طريق القدس، يسقط بالبداهة والمنطق الأخلاقي كل تمايز أو تفرقة على أساس الطائفة أو الجنسية؛ فكل من يلقى حتفه في خنادق رفض الاحتلال ومواجهة الهيمنة هو شهيد في "معركة محترمة" تدافع عن كرامة الأمة وحقوقها التاريخية المنهوبة.
إن التحول من المعارك المنفردة إلى "ملحمة المقاومة متعددة الجبهات" قد أربك حسابات التحالف المعتدي، الذي يدرك الآن أن أحلام "القضم الجغرافي" ستتحطم على صخرة الوعي القومي والترابط الاستراتيجي بين قوى المقاومة. فالمعركة لم تعد حول حدود جغرافية ضيقة، بل هي معركة وجود ورسم ملامح مستقبل يرفض الارتهان للأجندات الغربية والمشاريع الاستيطانية التوسعية.
*وختاماً، إن الرهان اليوم ليس على قوة السلاح فحسب، بل على وعي الشعوب التي أدركت أن المشروع الصهيوني يستهدف الجميع دون استثناء، وأن التخندق في خندق المقاومة والرفض هو السبيل الوحيد لكسر هذه الأجندة وتحرير الإرادة العربية من الوصاية.*
إن الحقوق لا تُستجدى، ومنطق القوة لا يكسره إلا إيمان راسخ بالحق ووحدة في الموقف، وهو المسار الذي سيفشل حتماً ملامح "الشرق الأوسط الجديد" المزعوم، ليُعيد للمنطقة توازنها وكرامتها المسلوبة.


























