بقلم/ محمد الدلواني
في مجتمعاتنا تعد الأسرة اللبنة الأولى في بناء المجتمع ، والصمام الذي يضخ الألفة وقيم التعاون وصولا الي الاستقرار في قلوب ونفوس افراد الاسرة .
إلا أن هذا الكيان قد يتعرض لشرخ عميق حين يغيب ميزان العدل عن قلب بعض الآباء ، فيميل بعاطفته أو ثقته نحو أحد أبنائه خلافا عن الآخرين.
وهنا لابد من التنويه إن "التفضيل" ليس مجرد ميل قلبي عابر، بقدر ما يمثل معول هدم يزرع في بيئة البيت بذور الحساسية المفرطة، ويحول مرافئ الأمان إلى ساحات للصراع والمنافسة غير الشريفة.
فمآسي التمييز تبدأ حين يشعر الابن "المهمش" أن وجوده أقل قيمة في عين والده، مما يولد لديه شعورا بالدونية أو النقمة.
وهذا الضغط النفسي يدعو بعض الأبناء أحيانا إلى أستدعاء بعض السلوكيات الغير مألوفة ؛ فمن أجل كسر هالة المثالية التي يحاط بها الأبناء المفضلون ، قد يلجأ بقية الإخوة إلى افتعال القصص والأكاذيب، وتشويه الحقائق أمام الأب أو المجتمع المحيط، في محاولة يائسة لاستعادة توازن القوى المفقود داخل الأسرة.
وهنا تتحول العلاقة الأخوية
من رباط دم مقدس إلى علاقة تربص وتوجس، يغيب فيها الصدق ويحل محله الكيد.
وإذا تأملنا في سورة يوسف ، نجد أنها قد وضعت يدها على الجرح بدقة متناهية. ولخصت أزمة التمييز في قوله تعالى "إِذ قالوا ليوسف وأَخوه أحب إِلى أبينا منا ونحن عصبة ". فهذا "الإدراك" بوجود تميز في المحبة، رغم أن يعقوب عليه السلام كان نبيا عادلا، دفع الإخوة إلى تدبير مؤامرة كبرى بلغت حد الشروع في القتل،
ثم اللجوء إلى "الكذب" الصريح باختلاق قصة الذئب والدم الكذب. مؤكدة بإنها رسالة بليغة وإيضاح لكل أب بأن التفضيل -وإن كان غير مقصود- هو الوقود الذي يشعل نار الفتنة ويبيح المحظورات في سبيل التخلص من "المنافس" المحبوب.
أما الثمار المريرة لهذا النهج ،
فلا تظهر كاملة غالبا إلا بعد غياب الأب. فبينما يظن الأب أنه بتدليله الزائد يحمي ابنائه المفضلين ، فإنه في الحقيقة يتركهم خصوم أمام إخوة محملين بإرث من الغبن والظلم. فبمجرد رحيل "الاب "، قد تنفجر الصراعات المؤجلة بين افراد بعض الأسر، وتتحول النزاعات العاطفية إلى قطيعة رحم أبدية، ومعارك شرسة على المواريث، وبانتقام وحقد نفسي قد يدمر الجيل التالي.
وما يستدرك هنا إن العدل بين الأبناء في القبلة والكلمة وحتى المصاريف الشخصية ليس مجرد خلق رفيع ، بل
هو استثمار في بقاء الأسرة وصيانة لنفوس الأبناء من الضياع وصولا الي التفرقة والشتات بأحقاد وضغائن
لاحل او نهاية لها .


























