سام برس
قرأتُ لأحد الإخوة مقارنةً بين الشهيد محمد محمود الزبيري وبين الأخ المذيع جميل عزالدين، وتساءلت : كيف يمكن أن تُعقد مثل هذه المقارنة أصلًا؟ وكيف يُوضع رجل بحجم الزبيري، بما مثّله من مشروع وطني وتضحية واستقلال موقف، في ميزانٍ واحد مع أي شخصية أخرى تختلف عنها الظروف والارتباطات والمسار؟
فالزبيري لم يكن مجرد معارض سياسي أو إعلامي عابر، بل كان قضية وطن، ورجلًا خرج من اليمن مطاردًا من حكم الإمامة، لا يحمل سوى قلمه وإيمانه بحرية شعبه. وعندما عاش في مصر لم تكن هناك دولة تتكفل به، ولا نظام يفتح له خزائنه، ولا جهة تموّل غربته مقابل أن تمتلك قراره أو توجه مواقفه.
وأقولها هنا شهادةً للتاريخ: إن والدي رحمه الله كان يدفع إيجار منزل الزبيري، وهو إيجار بسيط، كما كان يساهم في بعض المصاريف إلى جانب الإخوة الأحرار اليمنيين الذين تكفلوا كذلك بمساندة الزبيري وأسرته، إيمانًا منهم بالرجل وقضيته الوطنية. ولم يكن هذا الدعم مرتبطًا بدولة أو جهة رسمية، بل كان من باب الوفاء بين الأحرار.
وما زالت أختي عائشة تؤكد ما سمعته من والدي رحمه الله، وتذكر تلك المرحلة كما عاشتها طفلة في بيت الزبيري أثناء إقامته في مصر خلال مراحلها الابتدائية، حيث رأت عن قرب بساطة الحياة وقسوة الغربة، وكيف كان الصبر والكرامة هما زاد تلك الأسرة، بعيدًا عن أي ترف أو امتيازات سياسية.
ومن هنا يظهر الفرق الكبير؛ فالشهيد الزبيري لم يكن مرهونًا لأحد، لأن الذي يعيش على دعم الأحرار يظل حر القرار، أما الذي يعيش على دعم الأنظمة والدول فتبقى المقارنة معه مختلفة تمامًا. فالمال السياسي قد يمنح النفوذ والراحة، لكنه كثيرًا ما يفرض أثمانه على المواقف والكلمات.
ولهذا فإن مقارنة الزبيري بأي شخصية مدعومة أو مرتبطة بحسابات سياسية خارجية تبدو مقارنة غير عادلة؛ لأن الزبيري بقي يمنيًا خالصًا في مواقفه، لا يُكتب صوته بحبر السفارات، ولا تُشترى كلمته بأموال العواصم.
ولم أكن لأكتب شيئًا حول هذا الأمر، لكن ما دفعني للكلام هو أنني شاهدت الأخ جميل عزالدين يشكر الكاتب على هذه المقارنة ويقول له: “شكرًا لكلماتك”. وهنا كنت أتمنى من الأخ جميل، ومن باب التواضع والإنصاف لمن سبقوه، أن يقول: لا يمكن أن نصل إلى ما وصل إليه أولئك الرجال الذين ضحّوا بكل شيء من أجل اليمن، وخاصة ونحن اليوم نعيش في واقع أصبحت فيه كثير من المواقف مرهونة بالدول والحسابات السياسية.
فالفرق بين زمن الزبيري وزمننا، أن أولئك الرجال دفعوا ثمن مواقفهم من أعمارهم وفقرهم وغربتهم، بينما أصبح كثيرون اليوم أسرى للدعم والاصطفافات والولاءات.
لقد كان الزبيري أكبر من أن يكون تابعًا، وأفقر من أن يملك شيئًا سوى شرفه… لكنه بهذا الشرف نفسه، بقي خالدًا في وجدان اليمنيين.
رحم الله الزبيري، ورحم الله كل الأحرار اليمنيين الذين وقفوا معه في زمن الشدة، أولئك الذين صنعوا مواقفهم بالوفاء لا بالمصالح ، وبالإيمان بوطن لا بحسابات السياسة.
من صفحة الكاتب بالفيسبوك


























