سام برس
تأتي هذه القصيدة في لحظة تاريخية فارقة من مسيرة الأمة، حيث تتزامن مع الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية؛ تلك المحطة التي لم تكن يوماً مجرد ذكرى عابرة للرحيل واللجوء، بل هي جرحٌ حيٌّ نازف في وجدان الأمة يرفض الالتئام إلا بالعودة الكاملة. وفي هذا السياق، يقدّم *العميد القاضي الدكتور حسن حسين الرصابي* شهادته الشعرية والسياسية الحية ضمن ديوانه (مراثي)، ليعيد تأكيد الأدوار الحضارية والنضالية للشعر باعتباره "ديوان العرب" وسجل حقوقهم التاريخية والقانونية التي لا يطمسها غبار السنين أو تقادم العهد.

إن تأمل الروابط العميقة في هذا النص يفرض علينا سبر أغوار الرابط العضوي والدلالي الذي أوجده الدكتور الرصابي بين "نكبة الأمس (1948)" و"طوفان اليوم في غزة"؛ فالنص هنا يتجاوز حدود الرثاء الاستسلامي الباكي، لينعتق نحو قراءة فكرية وقانونية لجدلية صراع الوجود. إن استحضار الرموز التاريخية كـ "المفتاح" و"الخيمة" وإعادة إنتاجها سيميائياً في ظل أزيز الطائرات وصمود الأطفال الأسطوري في غزة، يعكس وعياً عميقاً بحتمية التلاقي البنيوي بين جيل النكبة وجيل التحرير، وتأكيداً راسخاً على أن الحق الذي تسنده القوة والحاضنة الشعبية الصابرة هو حقٌّ عصيٌّ على النسيان أو السقوط بالتقادم.

*قصيدة: "نكبةُ الأحرار.. وطوفانُ الإباء"*

*من ديوان (مراثي) للقاضي الدكتور حسن حسين الرصابي*

*(بمناسبة الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية)*

أَجرحُ "النكبةِ" الثاوي استَفاقا ... فألهبَ في المدى حُزناً وشاقا
وعمرُ نضالنا يربو صموداً ... يزيدُ الحُرّ صبراً وانبثاقا
مفاتيحُ البيوتِ غدت شموعاً ... تُنيرُ لعودةِ الأهلِ الزقاقا
فلا التاريخُ يُنسى في نهارٍ ... ولا كُلُّ الحقوقِ غداً تُلاقى
ثمانيةٌ معَ السبعينَ مرّتْ ... بظلمٍ أشعلَ الدنيا احتراقا
فلسطينُ الجريحةُ لم تزل في ... حِمى الرحمنِ ترفضُ أن تُساقا
نكِبنا بالشتاتِ، وضاعَ رَبعٌ ... ولكن لم نبع يوماً وثاقا
مررنا بالمواجعِ صابراتٍ ... نذوقُ الحزنَ مُرّاً لا يُطاقا
رحلنا والقلوبُ على ثراها ... تفيضُ مودةً وبها التصاقا
أيا يافا، ويا حيفا سلاماً ... سَقَى الرَّحمنُ عهدَكِ تِرْياقَا
وفي "غزةَ" العِزِّ الطَّهُورِ ... رأينا الهولَ ممدوداً رِقاقا
حُرُوبٌ بَعْدَ أُخْرَى لَمْ تَنَلْ مِنْ ... جبينِ المجدِ عزاً وانعتاقا
دمارٌ، بل حصارٌ, بل فناءٌ ... ولكنَّ الفدا يزدادُ دِفاقا
ترى الأطفالَ كالأطوادِ صمدوا ... وباتَ الصبرُ بالدمِ استباقا
شَوَارِعُ غَزَّةٍ غَصَّتْ رُفَاتاً ... ونورُ الفجرِ ينبذُ انغلاقا
ألا يا "نكبةً" ولدت صموداً ... وصارَ الموتُ نصراً وَانْطِلاقَا
نسجنا من خيامِ اللجوءِ عزماً ... وَلِلأَقْصَى عَبَرْنَا الاسْتِبَاقَا
فيا وجعَ المشافي في قطاعٍ ... يضمُّ الموتَ حباً واعتناقا
بكت عينُ السما بؤساً عليهم ... وأمطرنا العدا قصفاً وفاقا
فلا هانَ الأبيُّ بأرضِ حشدٍ ... وعاشَ حِمى العروبةِ وانعتاقا
غداً سنعودُ، والأيامُ حُبلى ... بفتحٍ يقطعُ الباغي سياقا
سنرفعُ فوقَ قبةِ "قدسِ" فخراً ... لواءً يملأُ الدنيا ائتلاقا
فما كلَّت عزائمنا بيومٍ ... ولا عرفَ الرجوعُ لنا اختلاقا
دماءُ "غزةَ" اليومَ استجابتْ ... لصرخةِ "نكبةٍ" تبغي التلاقي
عقودٌ واليقينُ يشدُّ أزري ... بأنَّ الصبحَ يَجْلُو كُلَّ غَسَاقا
بني صهيونُ مأواكم زوالٌ ... وإنْ طالَ المدى بُعداً وفاقا
هيَ الأرضُ التي صُنّا هواها ... بحبلِ اللهِ نرجوهُ انعتاقا

*التحليل الفكري والنقد الأدبي المنهجي*
تنتمي القصيدة عروضياً إلى *بحر البسيط* (مستفعلن فاعلن مستفعلن فَعِلن)، والتزم فيها الشاعر بقافية الألف المطلقة المردوفة بحرف الروي (القاف)، مما منح النص دفقاً موجهاً حماسياً يوازن بين شموخ الفكرة وحرارة العاطفة. ويمكن تفكيك النص ونقده عبر المحاور المنهجية التالية:

*أولاً: جدلية الزمن وتراسل الأجيال (البُعد الفكري)*
لا يرى الدكتور الرصابي في الثمانية والسبعين عاماً فجوة زمنية تؤدي إلى ذوبان القضية أو نسيانها، بل يراها عمراً تراكمياً يزيد من صلابة الموقف. ففي قوله (وعمرُ نضالنا يربو صموداً)، يتحول الزمن من عنصر تعرية وضياع للذاكرة إلى عنصر شحن وبناء للإرادة. وثمة "تراسل للجراح" يربط الماضي بالحاضر؛ فدماء غزة اليوم لم تنفصل سياقياً عن دماء جيل النكبة الأولى عام 48، بل هي استجابة واعية والتئام تاريخي للحق (دماءُ غزةَ اليومَ استجابتْ.. لصرخةِ نكبةٍ تبغي التلاقي). هذا الفهم الفكري يبرز وعي الشاعر الموسوعي وخلفيته القانونية التي توقن بأن الحقوق السياسية والتاريخية للأمم لا تموت بالتقادم طالما بقيت العهود والوثائق حية في النفوس.

*ثانياً: التحول الرمزي وإعادة إنتاج أدوات المأساة (البُعد السيميائي)*
يمتاز النص بقدرته العالية على صهر وتحويل الدلالات السلبية لرموز المعاناة الإنسانية وتحويلها إلى دلالات إيجابية مقاومة:
* *المفاتيح:* التي كانت ترمز قديماً لانتظار العودة السلبي، أعاد الشاعر إنتاجها لتصبح مصادر للضوء والهداية والنور تضيء دروب التحرير (مفاتيحُ البيوتِ غدت شموعاً.. تُنيرُ لعودةِ الأهلِ الزقاقا).
* *الخيمة:* التي ارتبطت في الذاكرة الجمعية باللجوء والانكسار والعوز، غدت في قاموس الشاعر مصنعاً ومغزلاً للكرامة والعزيمة العسكرية (نسجنا من خيامِ اللجوءِ عزماً).
هذا التدوير الرمزي الذكي ينقل الخطاب الشعري من مربع الاستدرار العاطفي الباكي إلى مربع صناعة الوعي الثوري والإرشاد المعنوي.

*ثالثاً: غزة كمركز ثقل وميزان للعدالة (البُعد السيكولوجي والسياسي)*
تتحرك أبيات القصيدة بسلاسة فائقة من البكائية الجغرافية الوجدانية للمدن المحتلة (يافا وحيفا) إلى جغرافية الفعل والمواجهة الحية (غزة). فالشاعر يرى في قطاع غزة "المُصحح التاريخي" وميزان القوة الحقيقي، ولذلك كرَّس لوصف حالها صوراً تجمع بين المفارقة السيكولوجية المذهلة مثل: (يضمُّ الموتَ حباً واعتناقا)، وصور الثبات الراسخ: (ترى الأطفالَ كالأطوادِ صمدوا). هنا تتجلى نزعة التحدي؛ فالصبر في قاموس غزة لم يعد انتظاراً بل "استباقاً ومبادرة بالدم"، والموت في سبيل الأرض لم يعد فناءً بل صار عتقاً وانتصاراً حقيقياً يرفض الاستكانة.

*رابعاً: البنية اللغوية والسبك التصويري (البُعد الجمالي الأسلوبي)*
تظهر في القصيدة ملامح جزالة اللفظ المستمد من متانة الفقه والبلاغة الكلاسيكية؛ حيث تتسم المفردات بالقوة وإصابة المعنى بدقة دون تكلّف. الألفاظ مثل (الثاوي، دِفاقا، الأطواد، ائتلاقا) تمنح النص جلالاً صوتياً وهيبة تواكب جلال الحدث وجدية الصراع.

أما الصورة الشعرية البديعة في قوله: (رأينا الهولَ ممدوداً رِقاقا) فهي صورة بيانية مبتكرة؛ تشبّه أهوال الحرب وتتابع مصائبها بشيء ممتد ومترادف لكنه يرقّ وينبسط ويكاد يتلاشى أمام عظمة الصمود البشري، وكأنه بساط من المخاطر يطأه المقاومون بثبات وشموخ.

*خلاصة: مراثي الحق وتباشير النصر*
إن هذه القصيدة الفريدة، المستلّة من *ديوان (مراثي) للعميد القاضي الدكتور حسن حسين الرصابي، تتجاوز في جوهرها كونها مجرد أبيات قيلت في مناسبة وطنية، لتشكل **وثيقة إدانة أدبية وحقوقية وتاريخية* ضد جرائم الغطرسة الصهيونية، وفي المقابل هي *بيان يقين* ثوري بحتمية النصر والعودة.
لقد نجح الدكتور الرصابي بامتياز، عبر خلفيته الفكرية القيادية والدينية والإرشادية، في صياغة خطاب شعري لا يقف عند عتبات الأطلال، بل يمزج الوجع بالفخر، ويجعل من "المرثية" منطلقاً وبشارة لاستنهاض الهمم، والتأكيد للعالم أجمع على أن الهوية العربية والإسلامية لفلسطين عصية على التذويب والنسيان، وأن ليل الغساق مهما تمدد وظلم، فإن نور الفجر يطارده بيقين الفتح، لتخرج القصيدة كبناء شعري متماسك، حيّ، يُؤثِّث للمستقبل بلغة الواثق المنتصر.

حول الموقع

سام برس