بقلم/ محمد الدلواني
​في زحام الحياة الحديثة وتسارع خطاها، تظل لجمعة القرية في ذاكرتنا نكهة خاصة، وطقوس تتسم بالروحانية والنقاء، لا تشبهها أي جمعة أخرى. لقد كانت "جمعتنا المختلفة" في القرية تبدأ قبل أن تشرق شمسها ، وتحديدا مع خيوط الليل الأولى ليوم الخميس.

ف​ما إن تنتهي صلاة عشاء الخميس، حتى تخلع القرية ثوب عنائها اليومي، وتبدأ طقوس استقبال "سيد الأيام". فينطلق من مئذنة الجامع العتيق صوت التسبيح والتهليل، ليرتعد له وجدان القرية الساكنة. معلنة بأن تلك التسابيح بمثابة دعوة صامتة للقلوب لكي تتطهر من أدران الأسبوع، وتهيئ الأنفس لغيث سكينة قادم.

و​مع إشراقة صباح الجمعة، تتحول باحة الجامع إلى خماسية من العمل الدؤوب والمنظم، بالتوازي مع حركة ملفته في كافة بيوت القرية تبدأ ب​تصفية أحواض الوضوء وغسلها حيث ييتسابق الخيرون لتفريغ الأحواض وتنظيفها وتغيير المياه فيها بمياه جديدة نظيفة وصافية تعكس طيب القلوب .

وفي يوم الجمعة ينظف الجامع بعناية فائقة، وتمسح جدرانه ، ثم تطاف في أرجائه المباخر المحملة بأجود أنواع البخور ليتشبع المكان برائحة زكية تعبق في النفوس إجلالا وتعظيما.

​وخلال يوم الجمعه، كان الصغار والكبار على حد سواء يستعدون للاحتفاء بهذا اليوم، فيغتسلون ويلبسون أفضل وأجمل ما لديهم من ملابس وثياب غالبا بيضاء ناصعة، لتبدو القرية وساكنيها في أبهى حلتها.

وقبل الجمعة كان يتواجد ويتوافد كبار الآباء والاجداد لحجز أماكنهم في مقدمة الجامع، فيستقبلون بكل حفاوة وتوقير، بوجوههم المستبشرة التي تشع نورا ووقارا.

وقبل خطبة الجمعة تجمع
باقات الريحان والشذاب العطرة وتنسق بعناية، ليتم توزيعها لاحقا على المصلين أثناء الخطبة، لتمتزج الموعظة الحسنة برائحة الأرض الطيبة.

و​ما بين الفجر والظهر، يتدفق بعض شباب القرية ورجالها بنشاطهم وحيويتهم متجهبن نحو بئر المسجد الذي يقع بداخله وتتوفر به المياه العذبة الباردة، ليغتسل الجميع استعدادا للصلاة. وكانت حركة الدلاء واصوات انسكاب الماء وصيحات وملاطفات الشباب تضفي على المكان روحا من الحيوية والبهجة، وتجسد معاني الحرص على الطهارة البدنية والروحية في أبهى صورها.

و​لم تكن الجمعة في قريتنا مجرد عبادة تنتهي بتسليم الإمام الذي غالبا ما يكون عمي او والدي ؛ بل كانت "مؤسسة مجتمعية" متكاملة وأياما مفعمة بالخير والبركة.

وبعد انقضاء الصلاة، لا يغادر اغلب المصلين بما فيهم كبار السن والوجهاء الجامع، بل يجتمعون في حلقات يملؤها الوقار والمسؤولية واحيانا الخلاف. وفي هذا اللقاء الأسبوعي، تطرح على الحضور أهم القضايا الملحة—سواء كانت نزاعا يتطلب الصلح ، أو مشروعا خيريا يحتاج تكاتفا ، أو عائلة متعففة تستدعي العون. وكانت أجتماعاتهم كبرلمان يتميز بالحكمة وسرعة البت واحيانا رفع الأصوات وقد تحدث اشتباكات في اوقات استثنائية ، وغالبا ما تنتهي النقاشات دائما بحلول عملية تنفذ على الفور.

​أما خارج أسوار المسجد، فكانت القرية تعيش نوع من التكافل والبهجة؛ حيث يتوافد الي الساحة بعض الباعة المتجولين الذين يقصدون القرية في هذا اليوم المبارك، وقد ينطلق معظم الرجال نحو السوق لشراء متطلبات الأسر وتأمين احتياجاتها.

​كما كان الجود يتدفق من البيوت، فغالبا ما تنحر الذبائح التي توزع على عدد من منازل القرية، فلا تكاد تخلو اغلب موائد القرية في هذا اليوم من لحوم الغنم أو الدجاج وبعض الخضروات ، في مشهد يجسد الكرم والوفرة. وتكتمل لوحة هذا اليوم الجميل بتبادل الزيارات بين الأقارب والأرحام، لتتأصل أواصر المحبة ويزول الجفاء.​وكانت "جمعتنا المختلفة" في القرية نسيجا فريدا يربط الأرض بالسماء، والشباب بالكبار، والعبادة بالمعاملة. وهي ذاكرة حية لزمن كان فيه النقاء شعارا، والمسجد محورا للحياة، والتكافل والبهجة حقيقة ملموسة تعيشها القرية كل أسبوع.

حول الموقع

سام برس