بقلم/ د. حسن حسين الرصابي
يخرج علينا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر شاشته المفضلة "فوكس نيوز"، متقمصاً دور "رامبو" هوليوودي هرم، ليمطر العالم بتصريحات بلغت من السخرية والتهافت حداً يجعلها أشبه بنصوص مسرحية كوميدية رديئة. ترامب، الذي يظن واهماً أن إدارة الدول العريقة والتاريخية تشبه إدارة نوادي القمار في "لاس فيغاس" أو مضاربات بيع العقارات، يهدد بقصف إيران ليل نهار، ويتوعدها بـ "الجحيم" في ليلة ثالثة، زاعماً بنرجسيته المعهودة أن طائراته تحلق فوق طهران، وأنه يعتزم الاستيلاء على جزيرة "خارك" وبنيتها التحتية النفطية ليتمدد فوق أسواق الغاز والنفط في المنطقة!

يا للسخرية يا حضرة الرئيس! يبدو أن مستشاريك في البيت الأبيض نسوا أن يخبروك بأن إيران ليست شركة عقارية متعثرة يمكنك الاستيلاء عليها بـ "تغريدة" أو بقرار إداري أهوج. إن حديثك الاستعلائي عن السيطرة الكاملة على المقدرات، ووعيدك بقطع شريان الحياة عن الشعوب، هو محض أحلام يقظة لن تجد مكاناً لها إلا في أفلام الخيال العلمي الهابطة. لقد انقلبت على مسار الحوار والتهدئة عبر الوسيط الباكستاني، مستغلاً حادثة الطائرة المروحية، ظناً منك أن الاستعراض بالقنابل والقرصنة الجوية سيجبر دولة كبرى على التفاوض تحت وطأة النيران وصوت الانفجارات.

إن هذه العجرفة الترامبية ليست سلوكاً معزولاً، بل هي الوجه الآخر لذات العملة التي تقود واشنطن من خلالها حلفها المشؤوم في المنطقة؛ فـ "أمريكا ترامب" هي ذاتها التي تمنح الضوء الأخضر لـ "نتنياهو" ليمارس أبشع جرائم الإبادة الجماعية بحق أهلنا الصامدين في غزة وفلسطين، وهي التي باركت العدوان السافر على لبنان وخرقت كل تفاهمات وقف إطلاق النار. أمريكا هي المظلة الاستعمارية التي سمحت لهذا الكيان برفع منسوب التهديد لجيرانه، والتخطيط لـ "شرق أوسط جديد" مفصل بالمسطرة والمقاسات الصهيونية، والسعي لتوسيع خارطة "إسرائيل الكبرى" على حساب دماء وأراضي وشعوب الأمة العربية والإسلامية.

لكن غاب عن بال ساكن البيت الأبيض أن إيران دولة ذات جذور حضارية ضاربة في عمق التاريخ لآلاف السنين؛ شعبها وقيادتها متمرسون على "الصبر الاستراتيجي" والصمود الشجاع، ولن يرضخوا يوماً لسياسة الابتزاز والبلطجة الترامبية، مهما بلغت شدة العجرفة والتهديد بنشر الجنود على الأرض.

الخلاصة يا سادة: ترامب يريد فرض معادلة مستحيلة تقوم على اختراع "طرف خاسر بالكامل وطرف منتصر بالكامل"، وهذا ما لن يمر. إيران ليست ضعيفة للمستوى الذي يصوره الخيال المريض لجمهور "فوكس نيوز"، ومعادلة الاستسلام تحت القصف ولت إلى غير رجعة. الميدان لطالما كان هو الحكم الفصل بين الوهم والحقيقة، وستتحطم هذه الغطرسة الأمريكية والصلف الصهيوني على صخرة الثبات، وغبار المعركة سيرتد حتماً ليخنق من أشعلها.. فطهران لن تصرخ ، والأيام بيننا.

حول الموقع

سام برس