سام برس
محمد عباد المرقب
أثار حادث سقوط الشاب القعقاع في حرضة دمت حالة واسعة من الحزن والأسى، وأعاد إلى الواجهة نقاشاً قديماً يتجدد مع كل حادثة مشابهة حول مسؤولية الجهات المعنية في معالجة المخاطر التي تهدد حياة المواطنين، وحول الحاجة إلى حلول عملية تمنع تكرار مثل هذه المآسي التي تحصد الأرواح وتترك جراحاً عميقة في نفوس الأسر والمجتمعات.
ومع كل حادثة تقع، تتعالى الأصوات بالمطالبات والمقترحات، وتكثر النقاشات في المجالس ووسائل التواصل الاجتماعي، غير أن الواقع يظل على حاله، وكأن المشكلة أكبر من أن تجد من يتبناها بجدية وإخلاص، والحقيقة أن كثيراً من هذه المشكلات لا تحتاج إلى إمكانات ضخمة بقدر ما تحتاج إلى إرادة صادقة وشعور بالمسؤولية تجاه الناس ومصالحهم.

إن سقوط القعقاع ليس الحادثة الأولى، ومن المؤسف أنه قد لا يكون الأخيرة إذا استمرت حالة الإهمال والتأجيل والاكتفاء بردود الفعل المؤقتة، فالتاريخ يعلمنا أن المجتمعات تتقدم عندما تتحول المشكلات إلى مشاريع عمل، وعندما يجد الناس مسؤولين يضعون المصلحة العامة فوق المصالح الشخصية والحسابات الضيقة.
وفي خضم هذا الحديث، يبرز اسم العقيد محسن الظاهري كواحد من النماذج المشرقة التي تركت أثراً حقيقياً في ذاكرة الناس، فقد استطاع هذا الرجل أن يحظى بمحبة واحترام أبناء دمت والضالع والعديد من المناطق التي عمل فيها، لا بسبب منصب أو سلطة، وإنما بسبب ما قدمه من أعمال ما زالت شاهدة على إخلاصه وحرصه على خدمة المجتمع.
ولعل أبرز ما يخلد ذكرى العقيد محسن الظاهري هو مشروع سلم الحرضة، ذلك المشروع الذي لم يكن منشأة هندسية أو مرفق خدمي، وإنما كان تجسيداً لفكرة أن المسؤول الحقيقي هو من يبحث عن احتياجات الناس ويسعى إلى تلبيتها قبل أن تتحول إلى معاناة يومية أو خطر يهدد حياتهم.

في عام 1984م، كانت اليمن تمر بظروف مختلفة، وكانت الإمكانات محدودة، ومع ذلك، استطاع رجال مخلصون أن ينجزوا أعمالاً ما زال الناس يتحدثون عنها حتى الآن، ففي الوقت الذي كان بعض المسؤولين ينشغلون ببناء مصالحهم الخاصة وجمع الأراضي والعقارات وتأمين مستقبلهم الشخصي، كان هناك رجال ينظرون إلى المستقبل من زاوية أخرى، زاوية خدمة المجتمع وترك إرث نافع للأجيال القادمة.

وكان العقيد محسن الظاهري، الذي كان يشغل منصب مدير أمن مديرية دمت آنذاك، من أصحاب هذه الرؤية، فقد تبنى فكرة إنشاء سلم الحرضة وساهم في تمويل المشروع، مدركاً أهمية هذا الممر الحيوي ودوره في تسهيل حركة المواطنين وحمايتهم من المخاطر التي كانوا يواجهونها بشكل يومي.
ولم يكن هذا الإنجاز ثمرة جهد فردي فحسب، وإنما شارك فيه عدد من الشخصيات الوطنية والمجتمعية المخلصة، وفي مقدمتهم المرحوم مسعد قائد الغرباني، رئيس المجلس المحلي في ذلك الوقت، الذي أشرف على تنفيذ المشروع وساهم في إنجاحه، إلى جانب المهندس صالح السبه وعدد من أبناء بيت الغرباني وغيرهم من أبناء المنطقة الذين عملوا بروح المسؤولية والانتماء.
لقد مضت أكثر من أربعة عقود على إنشاء هذا المشروع، ومع ذلك ما زال اسمه حاضراً في ذاكرة الناس، وما زال كثيرون يتذكرون من وقف خلفه ومن ساهم في إنجازه، وهذا يؤكد حقيقة مهمة مفادها أن المناصب تزول، والسلطات تتغير، أما الأعمال الصالحة التي تخدم الناس فإنها تبقى حية في وجدان المجتمع جيلاً بعد جيل.
إن الحديث عن العقيد محسن الظاهري ليس استدعاءً للماضي من باب الحنين فقط، ولكن لأنه يقدم نموذجاً لما يحتاجه المجتمع اليوم، فالمواطن لا يبحث عن الشعارات والخطابات بقدر ما يبحث عن مشاريع ملموسة تحسن حياته وتحفظ سلامته وتلبي احتياجاته الأساسية.

ومن هنا فإن حادثة سقوط القعقاع يجب أن تكون مناسبة لإعادة التفكير في مفهوم المسؤولية العامة، وأن تتحول من حدث عابر إلى نقطة انطلاق لمعالجة الأسباب التي تؤدي إلى وقوع مثل هذه الحوادث، فالأرواح التي تُفقد لا يمكن تعويضها، لكن يمكن منع تكرار المأساة إذا توفرت الإرادة والإدارة والرؤية.
ويبقى السؤال الذي يطرحه كثير من أبناء المنطقة: متى نشهد مبادرات عملية تعالج هذه الإشكالات بصورة جذرية؟ ومتى يظهر من يحمل همّ الناس ويترجم ذلك إلى مشاريع حقيقية كما فعل رجال أوفياء سبقوا عصرهم بأفكارهم وأعمالهم؟
إن المجتمعات لا تخلد أصحاب المناصب بقدر ما تخلد أصحاب الإنجازات والسباقين لفعل الخير والمحسنين لوطنهم وشعبهم، ولهذا بقي اسم العقيد محسن الظاهري حاضراً في ذاكرة أبناء دمت، لأنه ترك أثراً نافعاً ما زال الناس يلمسونه حتى اليوم، ولأن ما يقدمه الإنسان لوطنه ومجتمعه هو الإرث الحقيقي الذي يبقى بعد رحيله ويمنحه مكانة في قلوب الناس لا تصنعها المناصب ولا الألقاب.

حول الموقع

سام برس