بقلم/ د. حسن حسين الرصابي
في غرف صناعة القرار داخل البيت الأبيض، وفي ردهات مراكز الدراسات الاستراتيجية الصهيونية والغربية، ثمة حقيقة صادمة تفرض نفسها اليوم ولا تقبل الجدل: لقد انكسر الجبروت، وسقطت هيبة الردع، وتبددت غطرسة الهيمنة أمام صلابة محور المقاومة.
الصحافة الأمريكية، وتقارير أجهزة الاستخبارات، وأرقام رجال المال والأعمال، بل وتصريحات القادة العسكريين في البنتاغون، كلهم يتحدثون بلغة العجز، ويقرّون صراحةً بالتحولات الإستراتيجية الكبرى التي فرضتها قوى المواجهة في المنطقة.
لكن، وفي مفارقة تثير السخرية والاشمئزاز في آن واحد، يخرج لك بوقٌ منبطح من عواصم التبعية والمقايضة، ليردد ببغائية جوفاء وعقدة نقص متأصلة: "أمريكا انتصرت..!"
فمن نكذّب إذن؟ هل نكذّب اعترافات الأسياد في واشنطن وتل أبيب الذين يتباكون على هيبتهم الممرغة في التراب، ونصدق أوهام العبيد المقيمين في خنادق الخذلان؟!
نعم.. لقد انتصرت!
ولكي نضع النقاط على الحروف، وتوخياً للدقة والموضوعية، فإننا لا ننكر هذا الزعم، بل نقولها بالفم المليان: نعم، لقد انتصرت أمريكا فعلاً!
ولكن، لنسأل بوعي الأحرار: على مَن انتصرت؟
إنها لم تنتصر على إيران، ولا على اليمن، ولا على غزة ولبنان، ولا على أي شبرٍ ينبض بالكرامة ويحمل بندقية المواجهة.
- أمريكا انتصرت عليكم أنتم وحدكم.. انتصرت على إرادتكم المسلوبة، وعلى كرامتكم المهدورة، وعلى عروشكم الكرتونية.
تاريخ الإمبريالية الأمريكية يخبرنا بوضوح: واشنطن لا تسجل انتصاراتها إلا في ملاعب الجبناء، ولا تفرض سطوتها إلا على من سلّموا لها القياد، وظنوا أن صكوك العبودية تمنحهم الحصانة. أما مواطن الرجولة وميادين الأبطال، فما كانت يوماً ولن تكون إلا مقبرةً لصلف هذا المستكبر الغازي.
- إنجازات "النصر" التاريخي.. مَن انتصر على مَن؟!
ولكي نفكك لك يا "جهبذ السياسة" ويا "محلل الدفع المسبق" تفاصيل هذا الانتصار الأمريكي الساحق الذي تطبل له، دعنا نكشف لك عن أحدث بطولات واشنطن التي ترفع رأسك "المنكس" دائماً:
- انتصرت أمريكا على إيران لأنها ستدفع 300 مليار دولار من خزائنكم أنتم! نعم، كالعادة، الخزائن المفتوحة لـ "الحلب" ستتحمل تكاليف التعويضات لإعادة بناء ما دمرته الحرب في إيران. أمريكا تضرب، وإيران تبني، وجيوبكم الواسعة تدفع الفاتورة صاغرة.. فمبارك لكم هذا الإنجاز المالي الفاخر!
- انتصرت أمريكا بفتح مضيق هرمز! وهو ذاته المضيق الذي كان مفتوحاً بركابه وأمواجه أمام الملاحة العالمية قبل الحرب ولم يجرؤ أحد على إغلاقه! انتصار عبقري يشبه تماماً انتصار مَن يقتحم بيتاً مفتوح الأبواب ليصيح بزئير الأسود: لقد فتحت الباب!
- انتصرت أمريكا على إيران لأنها منعتها من إنتاج سلاح نووي! وهنا تبلغ السخرية ذروتها؛ فإيران بالأساس كانت تصرح للملأ، ليل نهار، بأنها لا تنوي تصنيع هذا السلاح، بل إن ثقافتها الدينية والعسكرية ترفض السير في هذا الطريق، والفتوى الدينية للمرشد الأعلى يرحمه الله بحرمة السلاح النووي خير شاهد ودليل. فبالله عليك، مَن انتصر على مَن يا روح أُمّ السيدة .... ؟ لك أن تختار الاسم الذي يناسب مقاس وعيك المنبطح!
- انتصرت أمريكا بفرض السيادة.. على شاشات تلفزيوناتكم فقط! فبينما كانت الصواريخ والمُسيّرات تعبر الأجواء فوق رؤوسكم وكأنها في نزهة، كان انتصار أمريكا العظيم يتجسد في قدرتها على منعكم من فتح فمكم بكلمة اعتراض واحدة، واكتفيتم بدور "شاهد الزور" الذي يصفق للجلاد وهو يجلد ظهره!
• حقائق للتأريخ.. سلوا بَواعث خيبتكم!
إذا التبس عليكم الواقع، وعميت بصائركم عن رؤية الحقيقة، فالتفتوا حولكم وسلوا الشواهد الحية الناطقة في دياركم:
- سلوا القواعد العسكرية الأمريكية الجاثمة فوق صدوركم وعقولكم: تلك التي حوّلت سيادتكم إلى مجرد مسرح عبثي، كيف بدت مرعوبة وعاجزة حتى عن حماية نفسها أمام ضربات المحور وصواريخه؟
- سلوا تريليونات الدولارات: التي نزفتموها من قوت شعوبكم ومقدرات أمتكم، لشراء السلاح والذمم وضمان الحماية الأمريكية.. ماذا اشترت لكم غير الخذلان الشائن والتبعية المطلقة؟
- سلوا مواقفكم المداهنة والمخزية: وتآمركم المستمر مع الكيان الصهيوني ضد قضايا الأمة وعمقها الإستراتيجي.. ما الذي منحتكم إياه سوى لعنة التاريخ، ومقت الشعوب، والسقوط المخزي في مزبلة العار؟
• الأضحوكة الكبرى
الحقيقة العارية التي لا تستطيع كل مساحيق السياسة وصخب الإعلام تجميلها هي: أنكم بطاعتكم العمياء، وتعظيمكم الخرافي لأمريكا، لم تكونوا سوى "الأضحوكة الكبرى" في تاريخ البشرية الحديث. لقد دفعتم ثمن حبل المشنقة الذي يلتف حول رقابكم، وظننتموه طوق نجاة!
غداً، حين تتجلى الحقائق كاملة، وتنزع أمريكا يدها منكم لتلقي بكم في سلة المهملات كما فعلت مع كل أدواتها السابقة، ستدركون حجم المأساة، وعمق الوهم الذي غرقتم فيه.
ستعلمون حينها مَن الذي انتصر فوق الأرض، ومَن الذي هُزم في وحل التبعية.. ولكن، بعد أن يكون قطار التاريخ قد تجاوزكم، ولا ينفع ساعتها الندم.
فألف مبروك لكم هذا "النصر الأمريكي" الزائف.. على ما تبقى من كرامتكم!


























