بقلم/ الدكتور / علي أحمد الديلمي
سالني الاخ العزيز عاتق الاحول سؤالا مهما حول مدى حق الجنوبيين في المطالبة باستفتاء خاص بالمحافظات الجنوبية لتحديد مصيرهم السياسي رغم ان دستور الوحدة اليمنية قد تم الاستفتاء عليه من قبل الشعب اليمني على مستوى الجمهورية كلها وقد دفعني هذا السؤال الى كتابة هذه الاسطر القليلة رغم ادراكي ان الموضوع بالغ الاهمية ويحتاج الى نقاش واسع ومشاركة جادة من رجال الفكر والسياسة والقانون والدبلوماسية لما له من ابعاد تتعلق بمستقبل اليمن ووحدته واستقراره وبما يضمن التعبير المشروع عن ارادة المواطنين في مختلف انحاء البلاد

من الناحية القانونية لا بد من التمييز بين حق المطالبة السياسية ووجود حق دستوري قائم فالاستفتاء على دستور الجمهورية اليمنية تم على مستوى الدولة كلها باعتبارها وحدة سياسية وقانونية واحدة ومن هذا المنطلق يرى كثير من فقهاء القانون الدستوري ان اي تعديل جوهري يتعلق بشكل الدولة او وحدتها او سيادتها يجب ان يتم وفقا لاجراءات دستورية متفق عليها وعلى نطاق وطني شامل وليس من خلال قرار يصدر عن جزء من اجزاء الدولة فقط ومع ذلك فان المطالبة السياسية باجراء استفتاء تبقى حقا مكفولا في اطار حرية التعبير والعمل السياسي السلمي ولا يمكن اعتبار مجرد طرح الفكرة امرا مخالفا للقانون

اما من منظور القانون الدولي فان مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها يعد من المبادئ الراسخة والمعترف بها دوليا غير ان تطبيق هذا المبدأ يختلف من حالة الى اخرى ولا يعني بالضرورة حقا تلقائيا في الانفصال او انشاء دولة مستقلة فالمجتمع الدولي يميل في الغالب الى دعم الحلول السياسية التي تحقق المشاركة والعدالة والاستقرار داخل الدولة الواحدة قبل الانتقال الى خيارات اخرى اكثر تعقيدا كما ان الاعتراف الدولي باي وضع سياسي جديد لا يعتمد فقط على الارادة المحلية بل يرتبط ايضا باعتبارات قانونية وسياسية واقليمية ودولية متعددة

وتزداد اهمية هذا النقاش في ظل التطورات السياسية المتسارعة التي تشهدها الساحة اليمنية فقد حملت كلمة مندوب بلادنا لدى الامم المتحدة امام مجلس الامن رسائل سياسية وقانونية لافتة عندما اتهم رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي بعرقلة العملية السياسية وتقويض مؤسسات الدولة وتهديد السلم والاستقرار كما اشار الى ان مؤسسات الدولة اتخذت اجراءات بحقه بوصفه متهما بجريمة الخيانة العظمى وفقا لما اعلنه الجانب الحكومي وطالب مجلس الامن بتحديث قوائم العقوبات لتشمل الافراد والكيانات التي يثبت تورطها في تقويض العملية السياسية او تهديد وحدة اليمن واستقراره وتعكس هذه المواقف حجم التباعد القائم بين مختلف القوى السياسية كما تؤكد ان قضية الجنوب باتت جزءا من معادلة سياسية وقانونية ودبلوماسية معقدة تتجاوز حدود الخلافات المحلية

ومن الناحية الدبلوماسية فان اي حوار جنوبي جنوبي ينجح في توحيد الرؤية والموقف السياسي يمثل خطوة مهمة في بناء موقف تفاوضي اكثر تماسكا غير ان ذلك لا يكفي وحده لمنح اي استفتاء مشروعية قانونية او اعترافا دوليا فالتجارب الدولية تؤكد ان مثل هذه القضايا تنجح عندما تكون جزءا من تسويات سياسية شاملة وتحظى بتوافقات داخلية وضمانات اقليمية ودولية كافية ولذلك فان السؤال الحقيقي لا يتمثل فقط في ما اذا كان من حق الجنوبيين المطالبة باستفتاء بل في الكيفية التي يمكن من خلالها الوصول الى صيغة عادلة ومشروعة تعبر عن ارادة المواطنين وتحافظ في الوقت نفسه على الاستقرار وتجنب البلاد مزيدا من الصراعات والانقسامات وهو ما يجعل الحوار المسؤول والاحتكام الى القانون والحكمة السياسية الطريق الامثل لمعالجة هذه القضايا الحساسة

حول الموقع

سام برس