بقلم/ محمود كامل الكومي
برحيل المناضل القومي اللبناني منير محمد الصياد (أبو هيثم) ، تطوي بيروت صفحة من صفحات جيل آمن بالعروبة مشروعًا للتحرير، وبفلسطين قضية مركزية للأمة، وبالمقاومة حقًا لا يسقط بالتقادم.

كان منير الصياد واحدًا من أبرز رموز التيار الناصري في لبنان، وأحد الوجوه الوطنية التي ارتبطت ببيروت والدفاع عنها ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي لها ، حيث ظل لعقود يحمل راية الفكر القومي العربي، مؤمنًا بأن وحدة الأمة العربية وتحررها هما السبيل إلى مواجهة الاحتلال والتبعية.

وحين اجتاحت القوات الإسرائيلية لبنان في يونيو 1982، في واحدة من أخطر الحروب التي شهدها الوطن العربي، لم يغادر الصياد مدينته كما فعل كثيرون تحت وطأة القصف والحصار، بل بقي في بيروت المحاصرة، مشاركًا في حالة الصمود الوطني التي واجهت آلة الحرب الإسرائيلية. وقد وصل الاجتياح إلى العاصمة اللبنانية بعد أسابيع من التقدم العسكري، وفرض حصارًا قاسيًا على بيروت استمر شهورًا، في محاولة لكسر إرادة المقاومة اللبنانية والفلسطينية وإعادة تشكيل الواقع السياسي في لبنان.

في تلك الأيام العصيبة، كان منير الصياد من الأصوات التي دعت إلى التمسك بخيار المقاومة ورفض الاستسلام، مؤمنًا بأن الاحتلال مهما امتلك من قوة عسكرية لا يستطيع أن ينتزع إرادة الشعوب الحرة. وشهدت بيروت خلال الحصار واحدة من أعظم صفحات الصمود العربي، حيث تلاحمت القوى الوطنية اللبنانية والفلسطينية في مواجهة العدوان.

ولم يكن نضال الصياد مقتصرًا على المواجهة السياسية، بل امتد إلى العمل الشعبي والتنظيمي، فعمل على إبقاء الفكر الناصري حاضرًا في لبنان، وساهم في جمع الناصريين والقوميين العرب حول المبادئ التي نادى بها الزعيم جمال عبد الناصر: التحرر الوطني، والعدالة الاجتماعية، والوحدة العربية.

كما ظل مدافعًا عن القضية الفلسطينية، معتبرًا أن معركة فلسطين ليست قضية شعب واحد، بل قضية الأمة العربية بأسرها. ومن هذا المنطلق، بقي حاضرًا في كل المناسبات الوطنية والقومية، داعيًا إلى مقاومة الاحتلال الإسرائيلي ورفض مشاريع الهيمنة والتطبيع.
وعلى مدى أكثر من ستة عقود، ظل منير الصياد وفيًا للمبادئ التي آمن بها في شبابه، فلم تغره المناصب، ولم تبدل السنوات قناعاته. وظل حتى أيامه الأخيرة رمزًا للمناضل الذي جمع بين البساطة الشعبية والالتزام القومي، وبين الوفاء لبيروت والوفاء لفلسطين.

اليوم، تودع بيروت واحدًا من أبنائها الأوفياء، ومن آخر وجوه الجيل الناصري التاريخي الذي عاش الهزائم والانتصارات، لكنه لم يتخل يومًا عن إيمانه بأن الأمة العربية قادرة على النهوض مهما اشتدت عليها المحن.
رحل منير الصياد، لكن سيرته تبقى شاهدًا على جيل حمل راية المقاومة والعروبة، وظل متمسكًا بها حتى اللحظة الأخيرة.

*كاتب ومحامي مصري

حول الموقع

سام برس