سام برس
في موكب مهيب من الحزن والأسى ودعت اليمن والأوساط الثقافية والإعلامية قامة سامقة وعاموداً من أعمدة الفكر والإبداع برحيل الشاعر والأديب والإعلامي الكبير الأستاذ محمود علي الحاج الذي وافاه الأجل بعد حياة حافلة بالعطاء والتميز ترك خلالها بصمة لا تمحى في وجدان الوطن ومكتبته الثقافية والإعلامية.
إن خسارة اليمن برحيل هذا الجبل الأشم لا تعوض فقد كان مدرسة متكاملة وقلما نابضا بالحب والوطنية وصوتا صداحا بالحق والجمال قدم الكثير من أجل وطنه ومجتمعه وظل مخلصاً للحرف والكلمة حتى آخر رمق من حياته ليرحل تاركاً خلفه إرثاً غنياً وتاريخاً مرصعاً بالمواقف والمنجزات مخلفاً غصة في قلوب محبيه وعارفي فضله ومسطراً اسمه بمداد من نور في أنصع صفحات التاريخ اليمني المعاصر.
بين حروف القصيدة وأثير الأغنية وبين أعمدة الصحف وشاشات التلفزيون امتدت حياة الراحل الكبير التي كتبت بأناقة ووطنية فذة إنه ذلك القلب الذي اشتعل حباً لليمن فجعل من كلماته نغمات تتردد في الآفاق ومن قلمه ريشة رسمت ملامح ثقافة وأمة بأكملها.
في لحج الخضراء والجمال عام 1949 ولدت فصول هذه القصة الملهمة لكن عدن التاريخ والثقافة كانت الحاضنة الرؤوم التي رعت بذرة الإبداع وفجرت ينابيع الموهبة فانطلق منها شاعراً وصحفياً لامعاً عام 1970 مع صحيفة "14 أكتوبر" حاملاً شعلة الكلمة الصادقة والملتزمة بقضايا مجتمعه وأمته.
لم يكن الفقيد مجرد عابر سبيل في بلاط صاحبة الجلالة أو موظفاً روتينياً يجلس خلف مكتبه بل كان فارساً حقيقياً من فرسان الكلمة مقداماً في طرحه عميقاً في فكره وهو ما أهله لينتقل إلى صنعاء عام 1974 ليرأس تحرير مجلة "اليمن الجديد" وكأنه بذلك الانتقال يحمل معه نبض الجنوب الساحر ليلتحم مع شموخ الشمال الشاهق في لوحة وطنية واحدة صاغتها وحدة الفكر والهدف والوجدان قبل أي شيء آخر.
لقد تقلد الراحل الكبير مسؤوليات صحفية وإعلامية وثقافية جسيمة خلال مسيرته المهنية الطويلة متنقلاً بين صحيفة "التصحيح" إلى صحيفة "الثورة" الرسمية وصولاً إلى وكالة الأنباء اليمنية "سبأ" لكنه ظل في كل منصب ومسؤولية يحمل نفس الروح المتوثبة والأخلاق العالية روح الشاعر المرهف الذي يرى في الخبر الصحفي قصيدة إنسانية وفي التقرير الإخباري لوحة فنية متكاملة الأركان.
ولم تقف موهبته الفذة عند حدود الحبر والورق بل كان التلفزيون مسرحاً آخر تجلت فيه كاريزمته وثقافته الواسعة حيث قدم برنامج "إكليل" الشهير والذي كان بحق إكليلاً مرصعاً بالثقافة والفنون والآداب يتوج به رؤوس المشاهدين ويفتح لهم نوافذ المعرفة والجمال في زمن كان التلفزيون فيه هو النافذة الأهم لصياغة وعي المجتمع.
ولأن رسالته كانت أعمق من مجرد وظيفة فقد كان الفقيد الراحل في طليعة المناضلين والمؤسسين للعمل المؤسسي الثقافي والنقابي في اليمن حيث ساهم بفعالية وإيمان مطلق في تأسيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين ونقابة الصحفيين اليمنيين مؤمناً بلا حدود بأن الكلمة قوة تغييرية كبرى وأن الأدب رسالة سامية والثقافة هي الجسر الأمتن والأنقى للتواصل بين البشر والتقارب بين أبناء الوطن الواحد.
وإلى جانب هذا العطاء الصحفي والإعلامي الغزير كان ديوانه الشعري الفاخر "واشتعل القلب حباً" الصادر عام 1999 شاهداً حياً ووثيقة دامغة على شاعريته العاطفية والوطنية الجياشة تلك الشاعرية العذبة التي تماهت مع ألحان وصوت الفنان الموسيقار أحمد فتحي وغيره من كبار الفنانين لتصبح كلماته وقصائده جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الغنائية والوجدانية لليمنيين ترددها الشفاه وتطرب لها القلوب.
لقد كان الأستاذ محمود علي الحاج كما عرفه كل من اقترب منه وعايشه كتلة من حسن الخلق جميل الروح طيب المعشر نقي السريرة متواضعاً للكبير والصغير ونبراساً يضيء عتمة الطريق للأجيال الثقافية المتعاقبة وشاهداً حياً على عصر ذهبي من العطاء الوطني المخلص.
واليوم إذ يترجل هذا الفارس عن صهوة جواده، فإننا لا نملك إلا أن ننحني إجلالاً لتاريخه المشرف وعطائه الإنساني والإبداعي الباذخ سائلين المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته ومغفرته وأن يسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وأن يلهم أهله وذويه والوسط الثقافي والإعلامي واليمن عامة الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون.


























