بقلم/ د. حسن حسين الرصابي
ماذا بعد أن عادت وسائل الإعلام العالمية والقنوات العربية — وفي مقدمتها "الجزيرة" — لتضج ليلة الأمس بتصريحات دونالد ترامب ونائبه "جيه دي فانس"، حول اتهاماتهم للصين بالتلاعب بالانتخابات الأمريكية الحالية، وعرقلة فوز ترامب في إنتخابات2020، واستنفار واشنطن لمواجهة هذا الاختراق العابر للحدود؟
لو خضعت حركة التاريخ المعاصر لمعايير المادية الصرفة، وقوانين السياسة وموازين الاقتصاد التي تحكم العلاقات الدولية، لكانت بوصلة الاستراتيجية الأمريكية تتجه كلياً صوب الشرق الأقصى؛ حيث المارد الصيني الذي يمثل التهديد الوجودي والأكبر للمصالح الغربية على المديين المتوسط والبعيد.
بمنطق الأرقام ولغة المصالح، لا يمكن لليمن، أو لإيران، أو لقوى المقاومة في غزة ولبنان، بل ولا للمنطقة العربية والإسلامية مجتمعة، أن تشكل واحداً بالمائة من حجم الخطر الاستراتيجي والاقتصادي الذي تفرضه الصين على عرش الهيمنة الأمريكية. هذا يعني بداهةً أن الأمن القومي الغربي بمفهومه الواسع والشامل سيكون في مأمن من جانبنا، ما دام التعاطي محكوماً بلغة الأرباح والخسائر والمعادلات السياسية التقليدية.
لكن الواقع يصدمنا بغير ذلك؛ فما الذي يجعل قوى الاستكبار العالمي توجّه ترسانتها العسكرية، وتكثف حضورها الأمني، وتُشعل حروبها بالوكالة والأصالة في قلب منطقتنا العربية والإسلامية بالذات؟
الجواب يكمن في "طبيعة الحسابات" لديهم. إنهم باختصار، وفي كل تفاصيل تعاملهم معنا، لا يحتكمون إلى قوانين "فيثاغورث" أو "نيوتن" أو خوارزميات المادة الرياضية، بل يديرون الصراع بناءً على خوارزميات من نوع آخر؛ حسابات ترتكز على أبعاد دينية، ومنطلقات عقائدية غائرة في القدم.
إن السياسة الغربية والصهيونية المعاصرة في منطقتنا ليست إلا امتداداً لمخرجات ونتائج أول "قمة عبرية" عُقدت في التاريخ الإسلامي؛ تلك القمة الطارئة والمغلقة التي شهدتها أحياء "يثرب" بين أخوين من أكابر زعماء اليهود آنذاك: أبي ياسر وحيي بن أخطب، غداة وصول الرسول الأعظم -صلى الله عليه وآله وسلم- مهاجراً في أواخر سبتمبر من عام 622 للميلاد.
في ذلك الحوار المفصلي والتاريخي، تساءل أبو ياسر مستثبتاً: «أهو هو؟» (أي النبي الموعود) ، فأجاب حيي: «نعم والله»، فسأله: «فما في نفسك منه؟»، فجاء الرد القاطع والمؤطر لقرون من الصراع: «عداوته والله ما بقيت!».
منذ ذلك التاريخ، تحولت هذه العقيدة العدائية إلى إرث جيلٍ بعد جيل، وكابر عن كابر. وبناءً على هذا المقرَّر التاريخي، ينظرون إلينا، ويرسمون مخططاتهم التمزيقية وسياساتهم الإخضاعية؛ فالهدف ليس مجرد جغرافيا تُحتل أو ثروات تُنهب، بل هو سحق الأمة التي تحمل هذا الدين للحيلولة دون نهوضها، واستقلال قرارها.
هذه هي الحقيقة الشاخصة التي يحاول الكثير منا الهروب منها أو إنكارها، ليس عجزاً عن المواجهة، بل لأننا لم نمتلك بعدُ الإرادة الحقيقية لتفعيل حساباتنا المقابلة والمكافئة لحساباتهم.
وهل نمتلك حسابات مقابلة؟
بكل تأكيد؛ لدينا الحسابات القرآنية السامية والاستراتيجيات الإلهية الثابتة والراسخة التي تفضح مؤامراتهم وتبطل كل خططهم الشيطانية. القرآن الكريم وضع بين أيدينا خارطة طريق واضحة لكيفية التعامل مع أهل الكتاب ومواجهة كيدهم وإحباط مكرهم.
نحن نعلم هذه الحقيقة يقيناً، ولكننا لم نشأ بعد أن ننتصر لكرامتنا المهدورة وعزتنا المستهدفة. وطالما بقينا نتجاهل عمق الصراع وجذوره العقائدية، فسيستمر الاستفراد بنا، وسنظل نتجرع الهزائم والنكسات واحداً تلو الآخر في وحل التبعية، حتى نعود إلى رشدنا ونحسب المعركة بحساباتها الحقيقية.


























