بقلم/ محمود كامل الكومي
لم تكن ثورة الثالث والعشرين من يوليو١٩٥٢ حدثًا عابرًا في تاريخ مصر، ولم يكن جمال عبد الناصر مجرد رئيسٍ تعاقب على حكم البلاد، بل كانا معًا لحظةً فاصلةً نقلت مصر من زمنٍ إلى زمن.
يسأل البعض: لماذا قامت الثورة؟
لأن الحياة السياسية قبل يوليو كانت، في نظر كثيرين، قد وصلت إلى طريقٍ مسدود. كانت الأحزاب تتنازع النفوذ أكثر مما تتنافس على خدمة الوطن، وتتحول الشوارع إلى ساحات صدام بين التنظيمات والقمصان الملونة، بينما ظل الاحتلال البريطاني جاثمًا على صدر البلاد، يتدخل في القرار الوطني، ويقتل رجال الشرطة المصرية في الإسماعيلية، ثم جاءت كارثة حريق القاهرة في يناير 1952 لتكشف حجم الانهيار الذي أصاب الدولة.
كانت مصر يومها تعيش معادلةً قاسية: احتلالٌ يفرض إرادته، وملكٌ يملك ولا يحكم بما يحقق تطلعات الشعب، وإقطاعٌ يسيطر على الأرض، وثروةٌ تتكدس في أيدي قلة، بينما يعيش ملايين الفلاحين والعمال على هامش الحياة.
في تلك اللحظة، خرج ضباطٌ شباب يحملون حلمًا بوطنٍ مستقل، لا تابعًا، ودولةٍ يكون القرار فيها للمصريين.
وجاء جمال عبد الناصر، ابن حي باكوس بالإسكندرية، وابن الموظف المصري البسيط، ليصبح رمزًا لمرحلةٍ شعر فيها البسطاء أن واحدًا منهم يجلس على مقعد الحكم، يتحدث بلغتهم، ويحمل همومهم، ويؤمن بأن قيمة الدولة تُقاس بما تمنحه للفقراء قبل الأغنياء.
أجل، قد يختلف الناس حول بعض سياسات عبد الناصر، وقد يناقشون أخطاء التجربة، فذلك حق التاريخ. لكن الإنصاف يقتضي ألا تُمحى الإنجازات، ولا أن يُختزل عصرٌ كامل في هزيمة أو قرار.
في عهد يوليو انتهى النظام الإقطاعي بقانون الإصلاح الزراعي، وأصبحت الأرض أقرب إلى الفلاح. وتوسعت مجانية التعليم، فدخلت الجامعات أبناء القرى والطبقات الفقيرة. وقامت مصانع الحديد والصلب والألومنيوم والغزل، وأُنشئ السد العالي، ذلك المشروع الذي غيّر وجه الزراعة والصناعة والطاقة في مصر. كما أصبح تأميم قناة السويس إعلانًا صريحًا بأن القرار المصري لا يُباع ولا يُشترى.
ولم تكن الناصرية مشروعًا مصريًا فقط، بل حملت راية التحرر الوطني في العالم العربي وإفريقيا، وساندت حركات الاستقلال في الجزائر واليمن وغيرهما، حتى أصبح اسم مصر حاضرًا في كل قضية تحرر.
أما الذين يهاجمون الناصرية اليوم، فمن حقهم أن يختلفوا، لكن ليس من حق أحد أن يزور التاريخ أو ينكر أن يوليو غيّرت وجه المجتمع المصري، وأنها منحت ملايين الفقراء فرصةً لم تكن متاحة قبلها.
الثورات لا تُقاس بالكمال، فالكمال ليس من طبائع البشر، وإنما تُقاس بما أحدثته من تحول في حياة الأمم. وإذا كانت يوليو قد أخطأت في بعض المسارات، فإنها أصابت في الهدف الأكبر: استعادة الإرادة الوطنية، وبناء دولة قوية، ومنح أبناء الطبقات البسيطة حق الحلم.
بعد أربعة وسبعين عامًا، لا تزال ثورة يوليو حاضرة في الوجدان، لأنها لم تكن مجرد بيانٍ عسكري، بل كانت إعلانًا بأن هذا الوطن يستطيع أن يقف على قدميه، وأن المصري البسيط قادر على صناعة التاريخ.
رحم الله جمال عبد الناصر، الذي سيظل، عند أنصاره، رمزًا للكرامة الوطنية والعدالة الاجتماعية والاستقلال، وستظل ثورة يوليو صفحةً لا يمكن اقتلاعها من كتاب تاريخ مصر، مهما اختلفت حولها الآراء، لأن الأمم العظيمة لا تنسى لحظات ميلادها.
محمود كامل الكومي
كاتب ومحامي مصري


























