بقلم/ العميد القاضي الدكتور حسن
إلى كل من ما يزال يتوهم أن الحرب على اليمن هي نزهة سياسية أو ورقة مناورة لإملاء الشروط: افتحوا أعينكم على جغرافية الصراع اليوم واقرؤوا تحولاتها بدقة. إن الذين يقرعون طبول التصعيد من جديد ويستمرؤون السعي لنبش خيارات العنف، إنما يلقون بأيديهم وبمقدراتهم إلى أتون حريق لن يسلم منه ثوب، ولن تنفد منه خسارة حتى تأتي على آخر درهم ودينار في خزائنهم.

إن قواعد اللعبة التي كُتبت في بداية العدوان قد وُوريت الثرى إلى غير رجعة. لم يعد اليمن ذلك الطرف الذي يتلقى الضغوط ويُحاصر في أرزاق أبنائه وقوته اليومي دون أن يمتلك الرد؛ لقد فرضت صنعاء معادلة استراتيجية صارمة لا تقبل التأويل: "الحصار بالحصار، والضربة بالضربة". ومن يظن أن خنق الشعب اليمني سيمر دون أن تتوقف شرايين الحياة الاقتصادية والتجارية للمعتدي، فهو يجيد قراءة الأوهام لا كتابة التاريخ.

أمام كيد المستكبرين ورهاناتهم على التحالفات الكرتونية وشراء المليشيات، تقف إرادة هذا الشعب كعصا موسى، تتلقف كل ما صنعوا من سحر الإعلام وتجييش التحالفات. إن الشواهد الميدانية في البحرين الأحمر والعربي ومضيق باب المندب لم تكن مجرد استعراض قوة، بل كانت إعلاناً عملياً بإنهاء عصر الهيمنة الأحادية، وإرساءً لتوازن ردع كوني يجبر الفواعل الدولية والإقليمية على إعادة النظر في حساباتها العسكرية والأمنية.

ألم تكفِ ثماني سنوات من القصف والدمار، وأكثر من اثني عشر عاماً من الحصار الظالم، لتدركوا أن القوة لا تُبنى بالسلاح المستورد، وأن إرادة الشعوب الحرة لا تُكسر بالمال ولا بالتطبيع؟ إن الإصرار على العناد والتنصل من الحقوق العادلة والمشروعة للشعب اليمني لن يقود إلا إلى تقويض التطلعات الاقتصادية والمشاريع المستقبلية للمعتدين، وتحويل كل الخطط التنموية البراقة إلى رماد تذروه الرياح.

لقد اختار اليمن موقفه المبدئي والتاريخي بالوقوف مع قضايا الأمة الكبرى وفي مقدمتها غزة والقدس، وانتقل من مربع "البيانات" إلى مربع "تأثير الصواريخ والطيران المسير". وإذا كان هناك من يحلم بإعادة العقارب إلى الوراء، فليعلم أن صنعاء اليوم أشد عوداً، وأقوى شكيمة، وأقدر على دحر أي كيد، ومحو أي رهان خاسر.

وليعلم الواهمون أن الحسابات العسكرية لم تعد تقاس بحجم العتاد ولا بكثرة الحلفاء، بل بالقدرة على الصمود واستنزاف الخصم في ميادين المواجهة. إن الرهان على سلب اليمن موقعه وحقه هو رهان على السراب؛ فكما استطاعت الشدة أن تصقل العزائم، فإن هذه المعادلة الجديدة ليست مجرد رد فعل عابر، بل هي تدشين لمرحلة استراتيجية تثبت أن الشعوب المعمدة بالتضحية هي وحدها من يملك رسم الخرائط وفرض شروط المستقبل.

فَكِدْ كَيْدَكَ ما استطعت.. فإن أمامك شعباً يحمل الحق، وامتلك خطام القوة، ولا يعرف في قاموسه معنى الانكسار.

حول الموقع

سام برس