بقلم/ الدكتور / علي أحمد الديلمي
السلام ليس مجرد شعار يرفع عند اشتداد الازمات ولا مبادرة تعلن في مؤتمر او عبر وسائل الاعلام بل هو عملية وطنية شاقة تحتاج الى ارادة حقيقية وشجاعة سياسية وثقة متبادلة بين الاطراف وفي بلد انهكته سنوات الحرب والانقسام مثل اليمن تصبح الدعوة الى السلام مسؤولية كبيرة لان اي مبادرة لا تقوم على الوضوح والمصداقية قد تتحول من فرصة للحل الى سبب جديد للشك والانقسام فاليمنيون اليوم بحاجة الى مسار سلام يعيد اليهم الامل لا الى مبادرات تزيد من حيرتهم حول من يقف وراءها وما الاهداف التي تسعى اليها
ومن الصعب بناء الثقة عندما نشاهد بين الحين والاخر اشخاصا معروفين بمواقفهم وانحيازاتهم الى احد اطراف الصراع ثم يظهرون فجاة بوصفهم اصحاب مبادرات للسلام او وسطاء بين المتخاصمين من دون توضيح كاف لطبيعة هذه المبادرات او الجهات التي تقف خلفها او الاهداف التي تريد تحقيقها ومن حق الناس ان يتساءلوا عن مدى استقلالية مثل هذه التحركات لان الوساطة الحقيقية لا يكفي ان تحمل اسم السلام بل يجب ان تكون واضحة في اهدافها ومصادرها وعلاقاتها وان تقف على مسافة تمكنها من كسب ثقة مختلف الاطراف
السلام يحتاج الى شخصيات تتمتع بالمصداقية ولها تاريخ ومواقف واضحة وقادرة في الوقت نفسه على التواصل والحوار مع الجميع دون ان تتحول الى اداة في يد هذا الطرف او ذاك فالوسيط الناجح ليس بالضرورة شخصا بلا راي او موقف ولكنه شخص يمتلك استقلالية القرار ويحظى باحترام الاطراف ويستطيع ان يسمع للجميع وينقل المخاوف والمطالب بامانة وان يبحث عن المساحات المشتركة بدلا من تعميق الخلافات والمصداقية هنا ليست صفة تمنحها البيانات الاعلامية بل رصيد يبنى عبر المواقف والسلوك والقدرة على وضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الضيقة
كما ان كثرة المبادرات غير الواضحة قد تضر بقضية السلام بدلا من ان تخدمها خصوصا اذا اصبحت وسيلة لتحقيق حضور سياسي او اعلامي او لاعادة تقديم بعض الشخصيات والقوى في المشهد تحت عنوان جديد اليمن لا يحتاج الى مزيد من المنابر والشعارات بقدر حاجته الى حوار جاد يشارك فيه اصحاب المصلحة الحقيقيون وتسانده شخصيات وطنية مستقلة ومقبولة وتدعمه جهود اقليمية ودولية شفافة وكل مبادرة جادة ينبغي ان تجيب بوضوح عن اسئلة اساسية من يقف وراءها وما اهدافها ومن تمثل وكيف ستتواصل مع مختلف الاطراف دون استثناء او اقصاء
ان الوصول الى السلام في اليمن لن يكون سهلا لكنه يظل الطريق الوحيد لانقاذ البلد من المزيد من الانهيار والمعاناة ولذلك يجب حماية فكرة السلام نفسها من التوظيف السياسي والمصالح الشخصية والحسابات الضيقة واختيار من يحملون رسالتها بعناية ومسؤولية اليمن بحاجة الى رجال ونساء يمتلكون الشجاعة للحديث مع الجميع والمصداقية ليصدقهم الجميع والاستقلالية ليضعوا مصلحة الوطن فوق مصالح الاطراف فالسلام الحقيقي لا يصنعه الغموض ولا تبدل الادوار وانما تصنعه الثقة والوضوح والحوار الصادق وعندما تتوفر هذه الاسس يمكن ان تتحول المبادرات من مجرد عناوين الى خطوات حقيقية نحو انهاء الحرب وبناء مستقبل اكثر امنا واستقرارا لليمنيين


























