بقلم/ يحيى محمد القحطاني
في ذكرى مولد النبي العظيم محمد ﷺ، غدًا الثلاثاء الموافق الثاني عشر من ربيع الأول 1448هـ، لا نستعيد فيه يومًا من التاريخ فحسب، بل نستعيد ميلاد رسالة غيّرت وجه الإنسانية، وحررت الإنسان من عبودية الإنسان، وأعادت إليه كرامته، وأقامت للناس ميزانًا جديدًا قوامه العدل والرحمة والمساواة. جاء الرسول ﷺ في زمن كانت العصبية فيه تحكم، والنسب يمنح الامتياز، والقوة تصنع المكانة، فهدم تلك الموازين، وأعلن أن التفاضل بين الناس لا يكون بنسب ولا مال ولا قوة، وإنما بالتقوى والعمل الصالح.
لم تكن الرسالة المحمدية شعارات تُرفع، بل مشروعًا لبناء مجتمع يحكمه العدل، وتشارك فيه الأمة، وتصان فيه كرامة الإنسان. ففي الشورى يقول الله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ)، ويقول لنبيه ﷺ: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ). وهنا تتجلى عظمة المنهج النبوي؛ فالحكم ليس استبدادًا بالرأي، ولا احتكارًا للقرار، وإنما مسؤولية تقوم على التشاور والاستماع إلى الناس. ومن هذا الأصل القرآني تنطلق قيمة المشاركة في صناعة القرار، وهي قيمة تلتقي مع جوهر الديمقراطية الحديثة في رفض الاستبداد، واحترام إرادة المجتمع، وإشراك الناس في إدارة شؤونهم، وإن اختلفت النظم والمصطلحات.
وفي العدل يقول سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ)، ويقول: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)، ويؤكد: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ). ولم يكن العدل مبدأً نظريًا، بل جسّده النبي ﷺ حين جعل الحق فوق القرابة، فقال: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).
أما المساواة ونبذ التفاخر بالأنساب، فقد حسم القرآن الأمر بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). فالشعوب والقبائل للتعارف لا للتعالي، والنسب او السلالة لا تمنح صاحبها حقًا في السيادة، ولا تجعل إنسانًا أكرم من إنسان. وقد أكد النبي ﷺ ذلك بقوله: (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى).
واليوم، ونحن نحتفي بمولده ﷺ، فإن أعظم ما تحتاجه أمتنا ليس الإكثار من مظاهر الاحتفال، وإنما استعادة جوهر الرسالة المحمدية في حياتنا، والعودة بها إلى نقائها الأول؛ رسالة ترفض الاستبداد والإقصاء، وتدعو إلى الشورى والمشاركة، وترسّخ العدل بدل الظلم، والمساواة بدل التمييز، والكفاءة بدل المحاباة، والرحمة بدل القسوة.
السلام عليك يا رسول الله، يوم وُلدت، ويوم بلّغت الرسالة، ويوم أرسلك الله رحمةً للعالمين، ويوم غيّرت وجه التاريخ، ورفعت راية الإنسانية فوق عصبيات الجاهلية. السلام عليك يا من وحّدت القلوب، وأقمت ميزان العدل والمساواة بين الناس، ورسّخت مبدأ الشورى بين الناس، وكرّمت الإنسان. نعاهدك أن تظل رسالتك نورًا يهدي كل امة تنشد الحرية والكرامة والعدلة، وستظل سيرتك دعوة متجددة إلى أن يكون الإنسان إنسانًا قبل أن يكون إبن قبيلة او سلالة او أسرة.
والله من وراء القصد.


























