بقلم / عادل حويس
بين شجاعة متأخرة على المستطيل الأخضر وصافرة تحكيمية غابت عنها روح العدالة أسدل المنتخب اليمني الأول لكرة القدم الستار على مشاركته في منافسات بطولة كأس الخليج العربي "خليجي 27" عقب تجرعه خسارة ثانية أمام نظيره القطري بهدف دون رد ليتأكد وداعه الرسمي للبطولة من دورها الأول.
ورغم مرارة الخروج المبكر التي باتت سيناريو مكررا في المشاركات اليمنية إلا أن تفاصيل المشهد الختامي أمام "العنابي" حملت في طياتها مزيجا من الحسرة الفنية على إهدار فرصة تاريخية والغضب المشروع من تجاهل تحكيمي صريح سلب "وعول سبأ" فرصة تعديل النتيجة في توقيت كان كفيلا بقلب موازين اللقاء.
دخل المنتخب اليمني مواجهته المصيرية وهو محمل بأعباء تكتيكية مفرطة في الحذر حيث اختار المدرب الجزائري نور الدين ولد علي نهجا دفاعيا متكتلا منذ إطلاق صافرة البداية مراهنا على تضييق المساحات والارتداد الكامل إلى الثلث الأخير من الملعب مع إلزام عناصر الخط الأمامي بمهام استنزفت طاقاتهم في التغطية الدفاعية.
هذا الخيار فرض على اللقاء وتيرة أحادية تمثلت في استحواذ وسيطرة ميدانية كاملة للمنتخب القطري الذي حاصر المرمى اليمني بالعديد من المناورات ومحاولات الاختراق ووجد طريق الشباك بهدف الأسبقية وسط حضور استثنائي ويقظة بطولية من الحارس محمد أمان الذي وقف سدا منيعا وتصدى للعديد من الكرات الخطرة بما فيها تصديه لركلة الجزاء التي نفذها أكرم عفيف ليكون بحق صمام الأمان والنجم الأبرز طوال شوطي المواجهة.
على النقيض تماما كشفت الدقائق الأخيرة من عمر اللقاء عن الوجه الحقيقي لإمكانيات لاعبي اليمن حين تحرر الفريق تدريجيا من قيوده الدفاعية الصارمة وعصفت التغييرات التي أجراها الجهاز الفني بدخول عناصر الحيوية والمهارة مثل عادل عباس ومحمد محمدوه برتابة الأداء حيث منحت التشكيلة توازنا مطلوبا وفاعلية هجومية مباغتة وأربكت حسابات الدفاع القطري ووضعت حارس مرماه في دائرة الخطر المباشر.
تلك الدقائق القليلة كانت كافية لتثبت للجماهير والمتابعين أن المنتخب كان قادرا على مقارعة منافسه وخطف نقاط المباراة لو أتيحت للاعبيه الثقة والجرأة التكتيكية مبكرا بدلا من إضاعة الوقت في الاعتماد على الكرات الطولية العشوائية والتراجع غير المبرر الذي يكرر خطأ التعامل مع المباريات الرسمية وكأنها حقول تجارب متأخرة لا تسعف أصحابها بعد فوات الأوان.
ولم تكن الأخطاء التكتيكية للمدرب وحدها من عجلت بالوداع بل كان للمشهد التحكيمي نصيب الأسد في تأجيج مشاعر الغبن إذ أثارت لقطة حرمان اليمن من ركلة جزاء صريحة ومستحقة في الأمتار الأخيرة علامات استفهام كبرى حول معايير العدالة واستخدام تقنية حكم الفيديو المساعد "VAR". فقد امتنع الحكم عن العودة إلى الشاشة لمراجعة الحالة التي كانت تستوجب تدخلا فوريا في مشهد أعاد إلى الأذهان التساؤل المؤلم الذي يتكرر في المحافل الإقليمية: هل تتباين قرارات الحكام وتتردد الصافرات وفقا لوزن المنتخب وتصنيفه أو اسمه على قميص المنافسة؟ إن القانون الكروي وجد ليطبق بحيادية مطلقة لا تميز بين مرشح للقب ومجتهد يبحث عن حقه المشروع، واليمنيون حين يرفعون صوتهم اليوم لا يطلبون عطفا أو مجاملة بل يطالبون بنزاهة التحكيم التي تعطي كل ذي حق حقه بغض النظر عن الاعتبارات الفنية أو التاريخية.
إن معالجة آثار هذا الخروج يجب ألا تنحدر نحو الطريق الأسهل والمتمثل في تعليق الجرس على رقبة المدير الفني وحده ككبش فداء لامتصاص غضب الشارع الرياضي ثم إعادة الدوامة ذاتها مع كل استحقاق بل يقتضي المنطق الحفاظ على العناصر الواعدة والأسماء التي أثبتت جدارتها في الميدان مثل أمان وجولان وصباره وبناء مشروع فني حقيقي يعزز الاستقرار ويمنح هذا الجيل مساحة من التطور والاستمرارية.
ومع إسدال الستار على هذه المشاركة تبقى الجماهير اليمنية الوفية هي الرقم الصعب والوحيد الذي لم يخذل منتخبه يوما حضورا وهتافا وشغفا يستحق أن يكافأ بإدارة كروية تصون هذه المواهب وبأداء شجاع في قادم المواعيد لا يخشى المجازفة الهجومية ليغادر الفريق ثوب المشاركات الشرفية نحو التنافس الحقيقي على الألقاب.


























