بقلم/ القاضي الدكتور / حسن حسين
منذ أن أُطلِقت الشرارة الأولى لهذا العدوان الهمجي الظالم، والأمة العربية تقف على مفترق طرق بين مؤيدٍ يشتري الوهم، ورافضٍ يُدرك مآلات الطغيان. لم يكن هذا العدوان يومًا سوى حلقةٍ في سلسلة المخططات الصهيوأمريكية التي استهدفت أمتنا، وباركتها واشنطن وتل أبيب، وشارك فيها حلفاؤهم من عرب التطبيع والارتهان؛ المعسكر الذي لم يدفع ضيمًا، ولم يحرر أرضًا، ولم يرفع رأسًا لأمةٍ مزقتها الطائفية والتضليل الإعلامي. هم ذاتهم عرب المبادرات الواهية والمساومات الخاسرة، الذين ظهرت "فحولتهم" فجأة على أبناء الشعب اليمني الصامد، فنشروا حمم الموت بذات الأسلحة التي قُصفت بها غزة والعراق وليبيا، فالمصدر واحد، والراعي هو الراعي.
ولئن تحجج العدوان في بداياته بمبرراتٍ واهية لا تصمد أمام أدنى منطق—من قبيل "إنقاذ اليمنيين" و"محاربة النفوذ"—فإن السنين والوقائع أثبتت زيف تلك الذرائع. أليس أبناء اليمن، بشتى أطيافهم ومكوناتهم، يمنيين أبا عن جد؟ ما دخل العروش المستبدة في شأنٍ يمنيٍ محض؟ ومن ذا الذي خوّلها احتكار الوصاية على شعبٍ يمتلك حضارة ضربت جذورها في أعمق أعماق التاريخ؟ هل كان الحل بالطائرات والقنابل العنقودية المحرمة؟ وهل فرقت الصواريخ بين مدني وعسكري، أو بين عدني وصنعاني؟ لقد طالت الغارات البنية التحتية، ومقدرات اليمن من جسور الطرق ومنشآت الوطن التي بنيت بعرق ودماء أبناء الشعب اليمني على مدى عقود، لتكشف عن أحقادٍ دفينة تتجاوز كل الادعاءات.
سنين من الحصار الجائر والعقاب الجماعي
إن ما يضاعف من جرم هذا العدوان وفشله الأخلاقي هو إصراره على مواصلة الحصار الشامل والإغلاق الممنهج لأكثر من اثني عشر عاماً من الضغوط والأزمات والتضييق؛ خنق خلالها منافذ الحياة، وحرم الملايين من الغذاء والدواء وحرية السفر والتطبّب، في أبشع صورة عرفها التاريخ الحديث للعقاب الجماعي. لقد توهم تحالف العدوان أن تركيع الشعوب يستقيم عبر تجويعها وحرمانها من أبسط مقومات الوجود، فإذا بهذه السنوات العجاف تثبت للعالم أجمع أن كرامة اليمنيين عصية على الانكسار، وأن السيادة ليست سلعة تُباع وتُشترى في سوق المساومات الإقليمية والدولية.
قصف مطار صنعاء.. إفلاس سياسي وقرصنة دولية
واليوم، وتأكيدًا على منهجية الصلف والعجز الاستراتيجي، يعود التحالف لممارسة ذات السلوك الانتقامي الهستيري، من خلال إقدامه مؤخرًا على قصف مطار صنعاء الدولي، بغية تعطيله ومنع طائرة الوفد الوطني الذي شارك في مراسم دفن المرشد الإيراني من العودة إلى أرض الوطن. إن هذا التصعيد الخائب لا يعبر إلا عن إفلاسٍ سياسي وميداني؛ إذ كيف يُدار الصراع بمنطق قطع المجالات الجوية واستهداف المنشآت المدنية لأسبابٍ انفعالية؟ وهل يظن التحالف أن حصار الجو وقصف مدرجات المطار سيكسر إرادة وطنٍ تعود أن ينهض من تحت الركام؟
المنظور القانوني والدولي لجرائم الحظر الجوي
ومن الناحية القانونية والدولية، يمثل تعمد استهداف الأعيان المدنية والأسواق الشعبية والطرق والجسور الرابطة بين المحافظات واستمرار الحظر الجوي انتهاكًا صارخًا لأحكام القانون الدولي الإنساني وقواعد النزاعات المسلحة:
- اتفاقية شيكاغو للطيران المدني (1944م): تُجرم الاتفاقيات الدولية كافة أشكال الاعتداء على سلامة الطيران المدني والمرافئ الجوية، والطرق والأسواق الشعبية المدنية، وتعتبر استهداف المطار المخصص للأغراض المدنية والإنسانية شللًا حركياً ينتهك حرية التنقل المكفولة دولياً.
- اتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكولاتها الإضافية: تُصنف الموانئ والمطارات المدنية كـ "أعيان مدنية" تحظر القوانين الدولية جعلها أهدافًا عسكرية. وإن استهدافها لغرض المنع السياسي أو خنق الشعوب يُعد جرمًا يرتقي إلى مستوى جرائم الحرب والعدوان المباشر على الأعيان المحمية.
- جريمة العقاب الجماعي: إن تقييد حركة الوفود الرسمية والرحلات المدنية واستمرار الحصار يعتبر أسلوباً مجرّماً من أساليب العقاب الجماعي وفق المادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر استخدام التجويع والحصار كوسيلة ضغط سياسي أو عسكري.
سقوط القناع الأخلاقي والزيف الشرعي
ترى، لو وُجِّهت تلك المليارات المهدورة في العدوان والحصار لنماء المنطقة واستقرارها، ألم تكن كفيلة بإنهاء الأزمات وإشاعة السلام؟ ألا يحق لنا أن نسأل مَن يرفعون الشعارات الدينية ويُقدَّمون كعلماء وهيئات إفتاء في السعودية؛ أين أولئك الذين أصدروا الفتاوى وشرعنوا هذا العدوان بدعوى "وجوب الجهاد في اليمن"، من المحكمات القطعية في كتاب الله وسنة نبيه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم؟
أين هؤلاء من قول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا»؟ فلما قيل: يا رسول الله، نصرته مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً؟ قال: «تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ»! فأين نصر الأخ الأكبر أو الجار المسلم هنا؟ هل يكون نصره بمنع الظلم عن الشعب اليمني وحقن دمائه، أم بصب حمم الموت والتجويع عليه والتصفيق للظالم ومباركته؟ لقد انقلبت لديهم الموازين الشرعية، فصار نصر القاتل بالشد على يده وإمداده بالتطبيب الفقهي للعدوان، بينما تركوا الشعب الفلسطيني يساق إلى الإبادة الصهيونية دون فتوى واحدة تحرك الجيوش أو تفرضه جهاداً مقدساً!
أين هم من قيم الإسلام الحنيف وقواعده الآمرة؟ يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194]، فهل اعتدى الشعب اليمني المظلوم على ديارهم ابتداءً حتى تُشن عليه الحروب الجوية والحصارات المطبقة؟ وأين هم من قوله تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة: 32]؟ أين النخوة العربية والإسلامية مما يجري في فلسطين وغزة من جرائم إبادة صهيونية، بينما تُوجّه الصواريخ والطائرات نحو مدن اليمن ومطاراته وطرقاته والأسواق المدنية، وكان خير شاهدٍ على ذلك سوق ماوية المركزي الذي كان مكتظاً بالمتسوقين المدنيين؟
إن استمرار الرهان على الأوهام، واستبدال الأعداء الحقيقيين للأمة بأشقائها، لن يجلب لتحالف العدوان إلا المزيد من الخسران والتخبط. لقد أثبت الشعب اليمني، عبر سنوات الحصار والتحدي وقصف المنشآت، أنه عصيٌّ على الكسر، وأن السيادة والكرامة ليست محلًا للمساومة، وأن من يحاصر الشعوب ويستهدف أسباب حياتها هو الخاسر الأكبر في معركة التاريخ والضمير.
*نائب رئيس لجنة توحيد الخطاب الديني في الجمهورية اليمنية


























