سام برس
مَلْحَمَةُ الفِكْرِ وَالصُّمُود: حِلْفُ العُدَاةِ وَصُمُودُ الأَحْرَارِ
شِعْر: العَمِيد القَاضِي الدُّكْتُور/ حَسَن حُسَيْن الرَّصَابِي
1. مُقَدِّمَةُ القَصِيدَةِ
تأتي هذه الملحمة الشعرية للعميد القاضي الدكتور حسن حسين الرصابي لتجسد ثبات الأحرار وشموخهم في مواجهة التحالفات الباغية والتداعي العالمي والمحلي الغاشم على اليمن. إنها وثيقة أدبية وفكرية وتسجيل تاريخي يسرد ببلاغةٍ وحسٍ وطنيٍ وإسلاميٍ أصيل تفاصيل المواجهة الجارية، مستنهضةً همم الأمة، وفاضحةً لأساليب الحرب النفسية والشائعات الكاذبة التي يُروّج لها إعلام العدوان بزعمه زُوراً وافتراءً استهداف المَقَامات الـمُقَدَّسَة في مَكَّةَ الـمُكَرَّمَة وَالـمَدِينَةِ الـمُنَوَّرَة. وتستشرف القصيدة في نهايتها انكسار قوى البغي واستعلاء الحق، لتبقى صخرة السيادة والكرامة عصيةً على الكسر أمام جحافل المعتدين.

2. مَتْنُ الـمَلْحَمَة
تَدَاعَى عَلَيْنَا الشَّرُّ مِنْ كُلِّ جَانِبِ ... وَسَارَتْ جُيُوشُ البَغْيِ بَيْنَ الـكَتَائِبِ
وَأَقْبَلَتِ الأَحْزَابُ تَرْجُو حِصَارَنَا ... كَمَا حَامَتِ العِقْبَانُ فَوْقَ الـمَضَارِبِ
تَحَالَفَتِ الأَفَاعِي وَالعَقَارِبُ هَا هُنَا ... وَجُمِّعَتِ الذِّئَابُ مَعَ الثَّعَالِبِ
وَأَقْبَلَتِ الوُحُوشُ لَهَا نُيُوبٌ جَسِيمَةٌ ... مُسَمَّمَةٌ تَشْتَدُّ بَيْنَ الـمَخَالِبِ
تَدَاعَى حُلَفَاءُ البَغْيِ وَالـحَرْبُ بَيْنَنَا ... وَبَيْنَهُمُ تَزَاحُمُ فِي الـمَنَاكِبِ
يَصُبُّونَ أَهْوَالَ السَّعِيرِ بِسَاحَةٍ ... حَوَتْ شَرَفًا يَعْلُو بِأَسْنَى الـمَنَاقِبِ
وَظَنُّوا بِأَنَّ القَهْرَ يَحْمِي عُرُوشَهُمْ ... وَأَنَّهُمُ فَازُوا بِكُلِّ الرَّغَائِبِ
فَحَاشَا لأَهْلِ الـحَقِّ كَيْدُ الـمَسَاجِدِ ... أَوْ مَكَّةَ الـغَرَّاءِ أَوْ أَرْضِ يَثْرِبِ
وَأَشَاعَ إِعْلَامُ العُدَاةِ كَذَابَهُمْ ... وَزَعَمُوا بِأَنَّا ضِدَّ خَيْرِ الـمَشَارِبِ
فَمَا هَابَتِ الـجَمْعَ الـمُدَجَّجَ أَرْضُنَا ... وَلا انْصَاعَ حُرٌّ لِلْخُطُوبِ الـنَّوَائِبِ
يُرَادُ لَهَا كَيْدُ الـمَذَلَّةِ جَهْرَةً ... وَتَأْبَى الشَّمُوسُ الخَطْوَ خَلْفَ الغَوَاصِبِ
وَتَلْقَى جُمُوعَ الغَادِرِينَ بِبَأْسِهَا ... حُسَامًا جَلِيًّا فِي وُجُوهِ الـمُحَارِبِ
صُمُودٌ أَبِيٌّ كَالشَّوَامِخِ شَامِخٌ ... أَمَامَ العُتَاةِ الـمُجْرِمِينَ الـحَوَارِبِ
سَتَشْهَدُ أَرْضُ العِزِّ كُلَّ مَلْحَمَةٍ ... بِهَا يَلْتَقِي الصِّنْدِيدُ شُهْبَ الـثَّوَاقِبِ
وَتَرْتَدُّ أَرْكَانُ الجُيُوشِ خَوَازِيًا ... وَتُرْغَمُ فِي الثَّرَى هِمَّةُ نَاصِبِ
وَيَبْقَى لِأَهْلِ الـحَقِّ مَجْدٌ مُخَلَّدٌ ... وَيُمْحَى سَرِيعًا كُلُّ غَاوٍ وَكَاذِبِ
فَلا البَغْيُ يَبْقَى فِي الدِّيَارِ مُخَلَّدًا ... وَلا الظُّلْمُ يَبْقَى فَوْقَ هَامِ الـكَوَاكِبِ

3. التَّحْلِيلُ وَالنَّقْدُ الأَدَبِيُّ
تُمثّل هذه القصيدة نموذجاً راقياً لـ "شعر الملاحم والجهاديات الوطنية"، حيث تتضافر فيها الصنعة العروضية الرصينة مع البعد الفكري والاستراتيجي الواعي. وفيما يلي تفصيل أركانها النقدية والأدبية:
أولاً: المعمار الموسيقي والعروضي (البحر والقافية)
- البحر الشعري: بُنيت النصِيّة على البحر الطويل (فَعُولُنْ مَفَاعِيلُنْ فَعُولُنْ مَفَاعِلُنْ)، وهو أكثر بحور الشعر العربي فخامةً وجزالةً، ويكثر استخدامه في الملاحم وفخر الفرسان والقضايا الكبرى، لما يتيحه من مساحة ممتدة للتعبير عن الهيبة وعظم الخطب.
- القافية والروي: التزمت القصيدة بـ الروي المكسور (الباء المكسورة)، وهو رويٌّ يوحي بالثبات والصرامة، ويصنع جرساً موسيقياً حازماً يناسب مقامي التفنيد والدفاع عن الحق.
ثانياً: الصورة الشعرية واللغة المعاصرة
- تجديد المعجم الشعري: تمحورت الألفاظ حول لغة عربية عصرية بليغة وواضحة، تبتعد عن التعقيد والغرابة، مع الاحتفاظ بجزالة المفردات الأصيلة (كالعقبان، المناقب، الصنديد، الشهب الثواقب).
- التصوير الأسلوبي والمجاز:
- الرموز الجارفة: وظّف الشاعر رمزية الحيوانات المفترسة والسامة (الأفاعي، العقارب، الذئاب، الثعالب) للتدليل على المكر والخبث، وتحالف المصالح الباغية.

- الاستعارات المكنية والتصريحية: برع الشاعر في إبراز الصمود عبر استعارة الكواكب والشُمُوس (وتأبى الشموس الخطو خلف الغواصب) للإشارة إلى الشمم والأنفة النابعة من إيمان أهل الأرض.
ثالثاً: المضمون الفكري والحرب النفسية
- تفنيد الزيف والتضليل الإعلامي: لم تقتصر القصيدة على البعد العاطفي الحماسي، بل حملت رسالة فكرية واستراتيجية تُفند الحرب النفسية، مستنكرةً افتراء المعتدين باستهداف المحاريب والمقدسات (فحاشا لأهل الحق كيد مساجد / أو مكة الغراء أو أرض يثرب)، مما يعكس وعياً فكرياً وإسلامياً وأخلاقياً راسخاً لدى الشاعر.

- النهاية الحتمية واستشراف النصر: تتصاعد البنية الدرامية من حالة الانقضاض والحصار إلى المقاومة الصارمة، لتصل إلى ذروتها بالإيقاع بالحتمية التاريخية والإلهية: زوال الظلم وانكسار كبرياء الغزاة، وبقاء المجد الخالد للأحرار.
4. خَاتِمَةُ القَصِيدَةِ وَخُلَاصَتُهَا
تختتم هذه الملحمة الشعرية الخالدة للأديب الشاعر الدكتور حسن الرصابي بقرارٍ ناجزٍ ويقينٍ إيمانيٍ لا يتزعزع؛ مفاده أن التهويل الإعلامي والتحالفات العسكرية المأجورة مهما تراكمت شائعاتها واحتشدت عتادها، فإنها تتهاوى وتتلاشى أمام ثبات الإرادة الوطنية والوعي الإيماني العصي على الاختراق. إن دحض الافتراءات والمزاعم الباطلة بشأن المقدسات الشريفة لم يكن مجرد ردٍ سجالي، بل هو تأكيد جازم بأن المعركة هي معركة حق وسيادة ضد الهيمنة والبغي، وأن العاقبة المحتومة -بسُنَنِ الله والتاريخ- هي اندحار المعتدين وسقوط عروش الغواة، ليبقى مجد اليمن والأحرار شامخاً تُدوّنه الأجيال بحروفٍ من نور.
5 سبتمبر 2026م الساحل الغربي الجمهورية اليمنية.

حول الموقع

سام برس