سام برس
قصيدة صرخة وعي في وجه الفتن
من ديوان: "صولات القوافي"
للأديب الشاعر: اللواء القاضي د. حسن حسين الرصابي
مقدمة القصيدة
في زمن تتجاذبه رياح الفتن، وتتزاحم على الأمة أزمات التشرذم والفرقة، يأتي هذا النص الشعري الرصين صرخةَ وعيٍ بلسان الحكمة والمسؤولية الشرعية والوطنية. إنه قراءة فاحصة لواقع الأمة الإسلامية والعربية، واستنطاقٌ لجراح التاريخ والحاضر منذ وعد بلفور المشؤوم وحتى يومنا هذا، حيث يتقاطع استنهاض الهمم مع دعوة صادقة لرص الصفوف، وتجاوز الخلافات العبثية، والعودة إلى منابع العزة والتقى. والقصيدة في مجملها وثيقة فكرية وأدبية تدعو إلى استعادة البوصلة الحقيقية نحو البناء والتوحد، رافضةً لغة الاقتتال الداخلي، ومؤكدةً أن النصر لا يناله الراقدون ولا تحميه سيوف الخلاف.
نص القصيدة

عَلى مِئَةٍ والتِّسْعِ ناءَتْ بنا العِبَرْ ... وما زَالَ في جَفْنِ المَعارِكِ ما استَعَرْ
أتانَا كِتابُ الغَدْرِ "بِلفورَ" ظالِماً ... فأهدى ديارَ المجدِ مَنْ لا لهُ أثرْ
سَطَا غاصبٌ في أرضِ طه وموطنِ ... العُلا والبذلِ حَتامَ نَحْتَذِرْ؟
فَيا ليتَ شعري هل بَقينا أُمّةً ... تَشدُّ عُرى الميثاقِ أم مزّقَ الخَطَرْ؟
تركنا صِراعَ المعتدي متجاهلينَ ... فصارتْ سيوفُ البغيِ في الأهلِ تُبْتَكَرْ
تَخالُ وُحوشَ البَرِّ أرحمَ حالَةً ... إذا ما قورنتْ بالحربِ بين مَنِ اصْطَبَرْ
تبادلنا طعناتِ العداءِ بِغَفْلَةٍ * وأصبحَ بأسُ القومِ بَيْنَهُمُ انْشَطَرْ
أضَعنا ثراءَ العُربِ في غيرِ نفعِها ... فصارَتْ خزائنُ الغربِ بالمالِ تَزْدَهِرْ
ركضنا ورَاءَ الوهمِ نأكلُ بعضَنا ... وغصْنُ أُخُوَّاتِ الصَّفاءِ قدِ اندثرْ
تَساقَطتِ الأقنِعَةُ عن كلِّ خادعٍ ... وباتَ صُداعُ الزّيفِ في الفكرِ ينتشرْ
وَفَيّاضُ هذا الإيمانِ لو هزَّ قلبَنَا ... لأيقظَ فينا العزمَ والمجدَ والأثَرْ
أيا أمةَ التوحيدِ هل لكِ رجعةٌ ... إلى صفّكِ المجموعِ إذ كان مُقْتَدِرْ؟
متى يرتدي العقلُ الرّشيدُ دروعَهُ ... ويطردُ شبحَ الجهلِ عن كلِّ ما ظهرْ
فلا النصرُ يُؤتى بالخلافِ ودروبِهِ ... ولا العزُّ يُرجى والمقاليدُ تُرْتَكَسْ
إذا ما تلاقتْ ساعدانِ وعزْمَةٌ ... تداعتْ حصونُ البغيِ والشّرُّ ينحسرْ
فلا المجدُ يُعطى بالتمني لراقدٍ ... ولا السَّيفُ يحمي حوزةً حين تُنْتَهَكْ
سنستنُّ خطوَ المجدِ يوماً بعزمِنا ... إذا توحَدتْ أيدي العروبةِ فانجبرْ
فصونوا دِماءَ الأهلِ وارتفعوا على ... خلافاتِكمْ، فالعزُّ في النَّهْجِ المُدَّخَرْ
لعلّ صباحَ النصرِ يشرقُ ساطعاً ... متى رجعتْ للأرضِ روحٌ لمن ظَفَرْ.

التحليل والنقد الأدبي
1. الإطار العروضي والموسيقي:
تتحرك القصيدة على بحر الكامل الأصيل (متفاعلن متفاعلن متفاعلن)، وهو بحر رحب يتميز بمرونته العالية في استيعاب الدفقات الشعورية الحماسية والتأملية الفكرية على حد سواء. وقد جاءت التفعيلات منسابة برصانة تامة، مع العناية الفائقة بسلامة الروي والقافية (المقيدة والمطلقة بحرف الراء المفتوحة والمقيدة)، مما منح الأبيات جرساً موسيقياً وقافية رصينة تتناسب مع جلال الموضوع وعمقه التداولي.
2. البناء الدلالي والتصوير الفني:
. البداية التاريخية والوعي بالزمن: يستهل الشاعر النص بتأريخ واعٍ للحدث الأكبر (على مئة والتسع ناءت بنا العبر)، محيلًا الذاكرة إلى جرح بلفور التاريخي (1917م - ومضي قرن وأعوام)، رابطاً الماضي بالحاضر في استمرارية واعية لمعارك الأمة واستحقاقاتها.
. التصوير الحي لنقد الذات: تتجلى براعة التصوير في الأبيات الخامس والسادس والسابع عبر أسلبة الواقع المؤلم بصور مجازية دقيقة؛ فترك صراع العدو والانشغال بالاقتتال الداخلي يُصور ببراعة من خلال استبدال السيوف الموجهة للعدو بسلاح عبثي داخلي، ومقارنة قسوة الفتن بوحوش البرّ في لوحة شعرية تنبض بالتحذير والأسى.

. التكامل الفكري والروحاني: يوازن مالشاعر بين التحليل السياسي الواعي (إهدار الثروات، ركض خلف الوهم، سقوط الأقنعة) وبين المنظومة الإيمانية والأخلاقية (فيّاض هذا الإيمان، عروة الميثاق، العقل الرشيد)، مؤكداً أن الأزمات السياسية لا تُحل إلا بإصلاح الروح والوجدان وتجاوز الشقاق.
3. الخصائص الأسلوبية واللغوية:

. التناغم بين الجزالة والوضوح: خلت الأبيات من التعقيد اللفظي الحائل دون فهم المعنى، واعتمدت على لغة فصيحة، معبرة، ومباشرة في دلالاتها الوطنية والشرعية، مما يجعلها قريبة من وجدان المتلقي، عَميقة في تأثيرها.
. التوجيه البلاغي والخطابي: وظّف الشاعر أساليب الإنشاء المختلفة (الاستفهام: حَتامَ نَحْتَذِرْ؟، هل بَقينا أُمّةً؟، النداء: أيا أمة التوحيد، والأمر: فصونوا دماء الأهل) لتحريك السواكن واستنهاض الهمم، مما يعكس نفَساً خطابياً توجيهياً يليق بمقام الكاتب والمفكر وقاضي الكلمة الواعية.
الخلاصة
تبقى هذه الأبيات مرآةً صادقة لضمير المفكر والباحث والشاعر الذي لا يرضى للوطن والأمة إلا طريق الوحدة والرفعة. إنها دعوة متجددة لإيقاظ الضمير العربي والإسلامي، وتذكيرٌ بأن التاريخ لا يرحم المتخاذلين، وأن بناء الأوطان وحمايتها لا يُصنع بالشعارات الزائفة ولا بالخلافات البينية، بل بسواعد الأحرار وعزم الصادقين الذين يجعلون مصلحة الأمة فوق كل اعتبار، لتبقى شاهدة على وعي قلم يأبى إلا أن يحمل همّ الأمة بحكمة وقوة ويقين.

حول الموقع

سام برس