بقلم/ الدكتور / علي أحمد الديلمي
تكتسب مبادرة شيخ الأزهر أهميتها من دعوتها إلى وقف الحروب وتشكيل لجنة وساطة من حكماء الدول العربية والإسلامية بما يمنح جهود السلام سندا أخلاقيا ودينيا في مواجهة التعبئة والتحريض واستباحة الدماء وبالنسبة لليمن يمكن لهذه الدعوة أن تفتح نافذة للحوار وتساعد على تجاوز حالة الانسداد السياسي غير أن مضمونها المعلن لا يزال نداء عاما للوساطة وليس مشروعا تفصيليا للتسوية ولذلك فإن تقييمها ينبغي أن ينطلق من قدرتها على المساعدة في وقف الحرب وتقريب الأطراف وصولا إلى اتفاق يعالج أسباب الصراع ويحفظ حقوق اليمنيين وأمن جيرانهم فالقيمة الحقيقية لأي مبادرة تكمن في قدرتها على إنقاذ الأرواح وتحويل الدعوة إلى السلام إلى خطوات عملية

وتثير المبادرة سؤال علاقتها بمرجعيات الحل المتمثلة في المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ومخرجات الحوار الوطني وقرارات مجلس الأمن وفي مقدمتها القرار 2216 وهي مرجعيات تضمنت أسسا للانتقال السياسي واستعادة مؤسسات الدولة واستئناف المفاوضات غير أن احترام مقاصدها لا يعني تجميد العملية السياسية عند صيغ وآليات تعود إلى مراحل سابقة فالأهم هو الحفاظ على جوهرها المتعلق بالدولة والمواطنة والشراكة ورفض احتكار السلطة بالسلاح مع البحث عن ترتيبات واقعية ومتوافق عليها لتحقيق هذه المبادئ فالمرجعيات وضعت للمساعدة في حل الأزمة وحماية مستقبل اليمنيين ومن الضروري أن يظل التعامل معها مرتبطا بهذه الغاية

وفي قراءة نقدية لمسار الأزمة يمكن القول إن أطرافا يمنية وإقليمية ودولية عديدة تجاوزت في ممارساتها بعض مقتضيات هذه المرجعيات أو تعاملت معها بصورة انتقائية ولهذا يصبح من المشروع مساءلة التمسك الحرفي بها حين تستخدم لرفض أي تسوية جديدة بينما يجري تجاوزها في إدارة الصراع والتحالفات وترتيبات السلطة وهنا تظهر خشية تحولها إلى ما يشبه مسمار جحا الذي يستدعى لتعطيل الحل كلما اقتربت فرصته فالمشكلة ليست في وجود المرجعيات وإنما في تحويلها إلى حق اعتراض دائم على السلام ومن يتجاوز بعض أحكامها في ممارساته تضعف حجته حين يستدعيها لرفض الحوار ونقد هذا الاستخدام يقتضي التمييز بين الحقوق والمبادئ التي يجب صونها والصيغ التنفيذية التي يمكن تطويرها بالتوافق مع احترام الالتزامات القانونية ذات الصلة

وتؤكد الجهود السابقة أن البحث عن السلام احتاج باستمرار إلى خطوات عملية تجمع بين التهدئة ومعالجة الأوضاع الإنسانية والاقتصادية والتحضير للتفاوض السياسي فمن مشاورات الكويت إلى اتفاق ستوكهولم وهدنة عام 2022 ثم الجهود السعودية والعمانية والالتزامات التي أعلن المبعوث الأممي في ديسمبر 2023 العمل على إدراجها ضمن خارطة طريق ظلت الحاجة قائمة إلى إرادة سياسية تحول التفاهمات إلى واقع ويمكن لمبادرة الأزهر أن تساعد في تهيئة المناخ لاستئناف هذه الجهود عبر خفض التحريض وفتح قنوات التواصل وتشجيع إجراءات بناء الثقة على أن تبقى التسوية مملوكة لليمنيين وتشمل تنوعهم السياسي والاجتماعي وتعالج قضايا السلطة والسلاح والموارد والحقوق وألا تختزل في تفاهمات بين القوى المسلحة أو الأطراف الخارجية

وعليه فإن السؤال الأهم هو مدى قدرة مبادرة شيخ الأزهر على المساهمة في الوصول إلى سلام عادل وقابل للاستمرار مع صون الحقوق التي استندت إليها مرجعيات الحل فالأولوية هي وقف نزيف الدم وإنهاء معاناة الناس واستعادة مؤسسات تخدم الجميع ووضع ضمانات تمنع تجدد الحرب ولا يكفي إعلان التمسك بالمرجعيات إذا لم يصاحبه استعداد لتسوية واقعية كما لا يكفي رفع شعار السلام إذا كان غطاء لتكريس القهر والانقسام والمطلوب شجاعة سياسية تراجع ما تعثر وتبني على ما تحقق وتجعل المرجعيات جسرا نحو اتفاق يحفظ الحقوق ويستجيب للتحولات فاستمرار الحرب ليس ضمانة لتنفيذ المرجعيات والوصول إلى السلام هو الغاية التي ينبغي أن توجه جميع المبادرات والجهود

حول الموقع

سام برس