بقلم/ عبدالله المدني
لا أعتقد أن هناك من لم يسمع باسم يوسف وهبي، فهو أحد الرواد الأوائل في مجالي السينما والمسرح في مصر والوطن العربي، بل هو ممن يعرفون بـ «الفنان الشامل» كناية عن عمله كممثل ومؤلف ومنتج وملحن ومخرج مسرحي وسينمائي، ناهيك عن لقب مستحق أطلق عليه وهو «عميد المسرح العربي»، دعك من الجوائز الكثيرة التي نالها عن جهوده خلال سنوات عمره التي بلغت 84 عاماً (منحه الملك فاروق رتبة البكوية عام 1944، ومنحه الرئيس عبدالناصر وسام الاستحقاق من الطبقة الأول عام 1960، وحصل على جائزة الدولة التقديرية عام 1970، وانتخب نقيبا للممثلين عام 1953، ومنحه الرئيس السادات في عام 1975 جائزة الدولة التقديرية والدكتوراه الفخرية، ومنحه بابا الفاتيكان وسام «الدفاع عن الحقوق الكاثوليكية»). على أن حديثنا هنا يقتصر على عمله كمخرج سينمائي.


ولد «يوسف عبدالله هديب وهبي قطب» الشهير باسم يوسف وهبي بمدينة الفيوم في 17 يوليو 1898 إبنا لأحد أكابر الفيوم وهو عبدالله باشا وهبي صاحب «ترعة عبدالله وهبي» التي حفرها لتحويل آلاف الأفدنة من الأراضي الصحراوية إلى أراضي زراعية، والذي كان يعمل مفتشا للري بالفيوم، ويسكن منزلا على شاطيء بحر يوسف (سمي البحر ببحر يوسف تيمنا باسم مخرجنا).
بدأ يوسف وهبي تعليمه في كتاب العسيلي بالفيوم ثم في المدرسة السعيدية بالجيزة ثم بمدرسة مشتهر الزراعية. وكان أثناء دراسته بالمدرسة السعيدية سنة 1912 وهو في سن 14 سنة، ميالاً للتمثيل وعاشقا للفن، لتأثره وقتذاك بأنشطة وأعمال فرقة اللبناني سليم القرداحي في سوهاج، فراح يلقي المونولوجات ويؤدي الأدوار المسرحية، على الرغم من اعتراض والده، كما أنه عمل في شبابه كمصارع في «سيرك الحاج سليمان»، حيث تدرب على يد المصارع المعروف آنذاك عبدالحليم المصري.

عشقه للفن دفعه للخروج على طاعة والده، والسفر ألى إيطاليا بعد الحرب العالمية الأولى لدراسة المسرح والسينما باغراء من صديقه المخرج محمد كريم الذي درس السينما في برلين، وهناك تتلمذ على يد الممثل الايطالي كيانتوني، ثم عاد إلى مصر سنة 1921 بسبب وفاة والده الذي ترك له ولإخوته الأربعة ميراثاً ضخماً قاموا باقتسامه بينهم بالتساوي، فكان نصيب مخرجنا عشرة آلاف من الجنيهات الذهبية.

بدأ حياته الفنية في مصر كممثل هاو من خلال الانضمام إلى فرقة حسن فائق ثم فرقة عزيز عيد، لكن الأعباء المالية التي واجهت الفرقتين، كانت سببا في اتجاه وهبي لاستثمار أمواله في أعمال مسرحية راقية بدلا من مسرحيات الريحاني وعلي الكسار الغنائية الراقصة والساخرة.

وهكذا أسس مخرجنا سنة 1923 فرقته الخاصة تحت اسم «فرقة رمسيس المسرحية»، مع عزيز عيد ومختار عثمان وحسين رياض وأحمد علام وفتوح نشاطي وزينب صدقي وأمينة رزق وفاطمة رشدي وعلوية جميل. بدأت الفرقة نشاطها بمسرحية «المجنون» على مسرح سينما راديو سنة 1923، ثم توالت أعمالها حتى بلغت نحو 300 مسرحية، جلها الأعظم ميلودرامية ومقتبسة من روائع الأدبين الفرنسي والإيطالي من تلك التي نقلت إلى السينما لاحقا مثل: «كرسي الاعتراف»، «راسبوتين»، «المائدة الخضراء»، «بنات الشوارع»، «أولاد الفقراء»، «بيومي أفندي»، «أحدب نوتردام»، وغيرها.

لم يكتفِ وهبي بذلك، لكنه قام أيضاً بتوعية الجمهور بالفن المسرحي الجاد، بديلا عن المسرح الهزلي، فنجح في تغيير ذوقه وغرس في نفوسه التقاليد المسرحية الشائعة في أوروبا لجهة منع التدخين أثناء العرض، والالتزام بوقت الحضور والانصراف ورفع الستار، كما ألزم الممثلين باحترام المواعيد وعدم الخروج عن النص وتنفيذ تعليمات المخرج، وأدخل إلى المسرح المصري فكرة الموسيقى التصويرية قبل رفع الستار، التي لم تكن معروفة إلا في مسارح أوروبا. كل هذا جعل الحكومة المصرية تكلفه سنة 1933 بتشكيل فرقتها المسرحية التي صارت لاحقاً نواة للمسرح القومي.

وبحسب موسوعة ويكيبيديا، قام وهبي بتمثيل 302 من المسرحيات العالمية، وأخرج منها 185 مسرحية، وقام بتأليف 60 مسرحية، وكان هدفه الاسمى نشر الوعي الاجتماعي ونقد عيوب المجتمع؛ حيث تناول مشكلات الزواج من أجنبيات، وأطفال الشوارع، وأبناء الخطيئة، والصراع بين الضمير والعاطفة، والفساد ومقاومة الإستعمار الاجنبي.
في عام 1928 وقعت له أزمة كادت أن تؤثر سلباً على تألقه ونجاحاته الفنية. وملخص القصة هو انتشار أخبار صحفية حول قدوم شركة فرنسية إلى مصر من أجل الاتفاق مع وهبي وفرقته على الانتقال إلى باريس لتمثيل فيلم «النبي محمد»، ولعل ما أجج غضب الناس وشيوخ الازهر والحكومة المصرية ضده هو قيامه بالاستعداد لتجسيد دور النبي من خلال نشر صور للشكل الذي سيظهر فيه. انتهت هذه الازمة، التي أخرت لسنتين دخوله العمل السينمائي، باعتذاره عن الفيلم والدور تحت ضغط الشارع ووزارة الداخلية والملك فؤاد.

في عام 1930 خاض عالم السينما بتأسيسه شركة للإنتاج السينمائي تحت إسم «رمسيس فيلم» مع محمد كريم، وتمثلت باكورة انتاج الشركة بفيلم «زينب» الصامت، الذي تلاه في 1932 فيلم «أولاد الذوات» (أول فيلم مصري ناطق) من اخراج محمد كريم، وتأليف وبطولة وهبي مع امينة رزق. وفي 1935 قام بنفسه لأول مرة باخراج فيلم «الدفاع» بالتعاون مع نيازي مصطفى، بل كتب قصته ولحن أغانيه وقام ببطولته مع أمينة رزق. أما في عام 1937 فقد قدم فيلمه الثالث «المجد الخالد»، من إخراجه وتأليفه وبطولته مع أمينة رزق أيضا. ثم كرر الشيء نفسه في العام التالي من خلال فيلم «ساعة التنفيذ».

توالت بعد ذلك أفلامه، فقدم من إخراجه وبطولته أفلام: «عريس من اسطنبول» في 1941، و»بنت ذوات» في 1942 مع راقية إبراهيم، «أولاد الفقراء» في 1942 مع أمينة رزق، «جوهرة» في 1943 مع نور الهدى، «غرام وانتقام» مع إسمهان و»سيف الجلاد» مع عقيلة راتب و»برلنتي» مع نور الهدى و»ابن الحداد» مع مديحة يسري في عام 1944، «سفير جهنم» مع ليلى فوزي، و»بنات الريف» مع فاطمة رشدي و»الفنان العظيم» مع مديحة يسري في 1945، «يد الله» مع أمينة رزق و»ملاك الرحمة» مع راقية إبراهيم و»شمعة تحترق» مع عزيزة أمير في 1946، «ضربة القدر» مع ليلى مراد، و»شادية الوادي» مع ليلى مراد، و»القناع الأحمر» مع كاميليا في 1947، «رجل لا ينام» في 1948 مع مديحة يسري، «كرسي الإعتراف» و»بيومي أفندي» في 1949 مع فاتن حمامة، «الأفوكاتو مديحة» في 1950 مع مديحة يسري، «أولاد الشوارع» في 1951 مع مديحة يسري، «بيت الطاعة» مع هدى سلطان و»بنت الهوى» مع فاتن حمامة في 1953، «الخيانة العظمى» في 1962 مع فيفي يوسف، «أيام زمان» في 1963 مع برلنتي عبدالحميد، «إنتقام المهراجا» في 1980 مع أمينة رزق.

إلى ما سبق مثل وهبي أدوار البطولة او غيرها في أفلام ليست من إخراجه مثل: «ليلة ممطرة» للمخرج توغو مزراحي في 1939، «ليلى بنت المدارس» و»ليلى بنت الريف» و»عاصفة على الريف» في 1941 وجميعها من اخراج مزراحي، «غزل البنات» لأنور وجدي في 1949، «حبيب الروح» لأنور وجدي في 1951 «ناهد» لمحمد كريم و»المهرج الكبير» ليوسف شاهين في 1952، «أسعد الأيام» لحسن رضا و»حياة أو موت» لكمال الشيخ في 1954، «عهد الهوى» لأحمد بدرخان و»بحر الغرام» لحسين فوزي في 1955، «الملاك الصغير» لكمال الشيخ في 1957، «حبيبي الأسمر» لحسن الصيفي في 1958، «مفتش المباحث» لحسين فوزي في 1959، «مال ونساء» لحسن الإمام و»شجرة العائلة» لشريف والي و»الناس اللي تحت» لكامل التلمساني في 1960 و»إشاعة حب» لفطين عبدالوهاب في 1960، «اعترافات زوج» لفطين عبدالوهاب في 1964، «نورا» لمحمود ذوالفقار و»كيف تسرق قنبلة ذرية» لنيازي مصطفى في 1967، «الحب الكبير» لبركات في 1968، «ميرامار» لكمال الشيخ و»دلع البنات» لحسن الصيفي و»الحلوة عزيزة» لحسن الإمام في 1969، «عشاق الحياة» لحلمي حليم و»عالم الشهرة» لمحمد سلمان و»الاختيار» ليوسف شاهين في 1971، «أزمة سكن» لحلم رفلة في 1972، «زمان يا حب» لعاطف سالم و»البنات لازم تتجوز» لعلي رضا و»البحث عن فضيحة» لنيازي مصطفى في 1973، «حكايتي مع الزمان» لحسن الامام في 1974، «الرداء الأبيض» لحسن رمزي في 1975، «البؤساء» لعاطف سالم و»أغنية الحب والموت» لحسن حافظ في 1978، «إسكندرية ليه؟» ليوسف شاهين في 1979، «دماء على الثوب الوردي» لحسن الإمام في 1981، «السلحفاة» لأحمد السبعاوي في 1982 (آخر أفلامه).

تنوعت أدواره وهبي في هذه الأفلام، فقد أدى في بداياته أدوار البطل الدون جوان، ثم انتقل مع تقدم عمره إلى أدوار الأب أو العم أو الجد، كما أدى أدوارا كوميدية (فيلم إشاعة حب، وفيلم اعترافات زوج مثالا) واستطاع أن يترك بصمة في كل فيلم ظهر فيه حتى لو كان صاحب مساحة صغيرة (غزل البنات، وحبيب الروح، وحياة أو موت، مثالا). أجاد وهبي تقمص مختلف الشخصيات كالضابط والمحامي والقاضي والمصور والكاتب والمجرم ورجل الاعمال والباشا والطبيب والمهندس والموسيقار والموظف الحكومي وغيرها كثير. وأخيرا، أختار النقاد في 1996 فيلم «ميرامار» من بطولته مع شادية ويوسف شعبان وعماد حمدي ومن اخراج كمال الشيخ عن قصة لنجيب محفوظ ضمن قائمة أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما. المصرية. وتوجد في القائمة نفسها أفلام أخرى أخرجها وهبي (غرام وانتقام) أو ظهر فيها (غزل البنات، إسكندرية ليه، الإختيار، حياة أو موت).

نقلاً عن الايام

حول الموقع

سام برس