بقلم/ العميد.د/ حسن حسين الرصابي
مقدمة تمهيدية: مفهوم الارتداد الجيوسياسي للنفوذ
. تعتمد القوى الإقليمية التي توظف استراتيجية "إدارة الأزمات عبر إدامتها وتفكيك محيطها" على تفريغ البيئة المجاورة من عناصر القوة لضمان التبعية المطلقة.
. أثبتت التجربة التاريخية أن استراتيجيات الهندسة الأمنية القائمة على تجزئة الجغرافيا اليمنية، وإضعاف بنية الدولة المركزية، وتفتيت النسيج الاجتماعي والسياسي، لم تُنتج حزاماً أمنياً واقياً للرياض.
. أفضت السياسات السابقة عن غير قصد إلى عكس نتائجها المفترضة؛ إذ حَفّزت الوعي الوطني الجمعي، وصهرت الهوية اليمنية الصلبة، وأسفرت عن بروز قوة إقليمية متماسكة تمتلك اليوم مقومات الردع والتأثير المباشر في العمق السعودي وأسواق الطاقة العالمية.
أولاً: الجذور التاريخية وإشكالية الحدود وسياسة التهميش
. معاهدة الطائف (1934): تمثل نقطة التأسيس الأولى للتوتر الاستراتيجي المعاصر، وما نتج عنها من اقتطاع وضبط حدودي لأقاليم عسير ونجران وجيزان، وتحويلها إلى منطقة حدودية رخوة.
. التهميش التنموي والبنيوي: تعامل النظام السعودي مع المناطق المضمومة وفق عقيدة أمنية حذرة، حيث فُرض عليها إهمال تنموي وبنيوي مقصود لتظل بمثابة درع بشري وجغرافي باهت ومكشوف.
. العمق الوجداني والقبلي: بقيت الوشائج الثقافية والاجتماعية والقبلية لسكان تلك الأقاليم مرتبطة بصورة عضوية وعميقة بالداخل اليمني ومدنه التاريخية رغم محاولات الفصل الإداري.
. عقيدة "الجار الضعيف": استقرت في دوائر التخطيط الاستراتيجي بالرياض قناعة بأن استقرار العرش والنفوذ السعودي يرتبط طردياً بإبقاء اليمن في حالة هشاشة وشلل مؤسسي، عبر ضخ الأموال لشراء الولاءات والذمم وتغذية مراكز النفوذ المتنافسة.
ثانياً: السجل التاريخي لمحاولات إجهاض الدولة اليمنية
. إجهاض التحول الجمهوري (1962): التدخل العسكري والمادي المباشر لدعم القوى القبلية والنظام الإمامي لمواجهة ثورة 26 سبتمبر، خشية تحول اليمن إلى مركز إشعاع تحرري يهدد البنية السياسية في الخليج.
. اغتيال المشروع النهضوي (1977): التآمر على مشروع الرئيس إبراهيم الحمدي وتصفيته، لقطع الطريق أمام محاولات بناء دولة المؤسسات والقانون، وتحقيق الاستقلال الاقتصادي.
. العقاب الجماعي (1990): قرار الترحيل القسري لأكثر من مليون مغترب يمني إبان أزمة حرب الخليج، بهدف خنق الاقتصاد اليمني الفتي عقب إعلان الوحدة.
. رعاية مسارات التفتيت (1994 وما بعدها): تقديم الدعم المالي والسياسي للنزعات الانفصالية في حرب صيف 1994، والاستثمار المستمر في التشكيلات المسلحة خارج إطار الدولة لإدامة حالة الصراع الداخلي.
ثالثاً: حرب الإبادة والحصار الظالم منذ عام 2015 (عقاب جماعي لشعب الإيمان والحكمة)
في مارس 2015، انتقلت الاستراتيجية السعودية - الإماراتية من مرحلة الإدارة والاحتواء عبر الوكلاء إلى مرحلة التدخل العسكري المباشر والتدمير المنهجي، لتتحول إلى حرب استنزاف كبرى وحصار بري وبحري وجوي مطبق على الشعب اليمني.
. الحصار الاقتصادي والإنساني كعقاب جماعي: لم يقتصر العدوان على العمليات العسكرية الفتاكة، بل جرى توظيف أدوات التجويع والحصار كسلاح استراتيجي لتركيع الشعب اليمني (شعب الإيمان والحكمة). شمل ذلك إغلاق مطار صنعاء الدولي لسنوات أمام المرضى والمدنيين، شل حركة الموانئ الرئيسية (وعلى رأسها ميناء الحديدة)، تعطيل صرف مرتبات الموظفين الحكوميين عبر نقل وظائف البنك المركزي إلى عدن، ومنع دخول المشتقات النفطية والأدوية والمستلزمات الطبية، مما أدى إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة وثقتها التقارير الدولية.
. الفاتورة البشرية والدماء الهائلة: أسفرت هذه الحرب الظالمة عن حصد أرواح أكثر من 400 ألف مدني يمني (بين شهيد وجريح ومريض ومحكوم بالموت جراء الحصار وانعدام الرعاية الصحية)، فضلاً عن التدمير المتعمد للبنى التحتية، المستشفيات، المدارس، شبكات المياه، والطرقات.. غير أن هذا الضغط الهائل لم يهن من عزم اليمنيين، بل أفرز مناعة مجتمعية فريدة وحول المحنة إلى حافز صلب للتوحد والتصنيع الذاتي وبناء القدرات الدفاعية الردعية.
رابعاً: ديناميكية التحول.. كيف أنتج الضغط والتفتيت قوة الردع؟
. تآكل أدوات الوصاية التقليدية: أدى الإفراط في ٠استخدام النفوذ المالي والسياسي إلى تعرية القوى الوكيلة والشخصيات المرتهنة للخارج، مما أسقط ،مشروعيتها وأفرز مشروعاً وطنياً مقاوماً للهيمنة.
. تماسك التحالف الوطني والمؤسسة العسكرية: أثمرت جولات الحصار والمواجهة عن اندماج استراتيجي وميداني بين قيادة "صنعاء" وقطاعات واسعة من الجيش والمجتمع، استند إلى عقيدة قتالية ترفض التبعية.
. التحول نحو قوة الردع الهجومي: طوّرت القوات اليمنية قدراتها الذاتية في مجالات التصنيع العسكري، والمنظومات الصارويخية الباليستية، والطائرات المسيرة، متجاوزة أحدث الأنظمة الدفاعية الغربية.
. توسيع دائرة الاستهداف الاستراتيجي: فرض معادلة ردع ميدانية لم تعد محصورة في النطاق الحدودي، بل طالت المنشآت الحيوية في عمق المملكة (أرامكو، المطارات، الموانئ) وشكلت تهديداً مباشراً لأمن الطاقة العالمي.
خامساً: عجز التحالفات وانسداد خيارات المواجهة
. التدخل العسكري المباشر: اصطدام التحالف بعجز تام عن تحقيق أهدافه المعلنة، وتكبده خسائر استراتيجية واقتصادية طائلة.
. صناعة المجالس والتشكيلات الكرتونية: أدى الاعتماد على كيانات مسلحة ومتعددة الولاءات إلى تعميق ٠٠الانقسامات وتفكيك مناطق النفوذ دون تقديم نموذج حكم قادر على الاستمرار.
. الرهان على المظلات الدولية: أثبتت مجريات الأحداث انكشاف الحماية الغربية وعجزها عن تأمين خطوط الملاحة ومنشآت الطاقة الحيوية في وجه الضربات اليمنية المتتالية.
. فشل حروب الاستنزاف: ارتدت استراتيجية التضييق الاقتصادي والحصار بنتائج عكسية، تمثلت في تعزيز مناعة الجبهة الداخلية وتوسيع نطاق العمليات لتشمل الممرات الملاحية الاستراتيجية.
سادساً: قواعد الخروج من المأزق والرؤية الاستراتيجية
. سقوط الرهانات الكلاسيكية على استمرار القصف الجوي أو إعادة تدوير الوكلاء المحليين والتحالفات .. العاجزين عن فرض الاستقرار.
. ضرورة اعتراف صانع القرار في الرياض بحتمية التغيير الجذري في العقيدة السياسية تجاه اليمن.
. الإقرار بأن الأمن المتبادل والاستقرار الدائم في شبه الجزيرة العربية يرتبطان حصراً بالإذعان لواقع الميدان الجديد.
. الانتقال النهائي من مربع الوصاية والعداء والتفتيت إلى مربع احترام السيادة الوطنية الكاملة، وبناء شراكة اقتصادية متكافئة تقوم على ندية المصالح وحسن الجوار.
الخاتمة: سقوط أوهام الهيمنة وانكسار معادلة الوصاية
لقد أثبتت التجربة القاسية التي مر بها الشعب اليمني طيلة السنوات الماضية، ولا سيما في محطة التصعيد السعودي الأخير ومحاولات الالتفاف على الاستحقاقات الإنسانية والسياسية، أن محاولات فرض الاستسلام عبر الحصار والتجويع قد وصلت إلى طريق مسدود تماماً.
إن الرد اليمني الصارم الذي تجسد في تفعيل معادلات الردع الميداني الجديدة — "الحصار بالحصار، والمطار بالمطار، والمدينة بالمدينة، والسن بالسن" — قد كشف بوضوح عن عقم الخيارات العسكرية والسياسية الكلاسيكية التي تراهن عليها الرياض وشركاؤها الإقليميون والدوليون. لقد نجحت القوات المسلحة اليمنية والقوة الصاروخية وطيران المسيرات في فرض معادلة سيادية وميدانية متكافئة، أثبتت أن استهداف العمق الحيوي وموانئ الطاقة ومفاصل الاقتصاد السعودي لم يعد مجرد خط أحمر، بل صار ثمناً حتمياً لاستمرار الحصار والعدوان.
اليوم، يقف صانع القرار في الرياض أمام استحقاق تاريخي لا يقبل التجميل؛ إما الاستمرار في دوامة استنزاف تهدد كيان المملكة واستقرار أسواق الطاقة العالمية في ظل تحولات دولية متسارعة، أو الإقرار الواعي بأن أمن السعودية القومي لا يتحقق عبر هندسة تفتيت اليمن أو فرض الوصاية عليه، بل بالاعتراف الكامل بالسيادة الوطنية اليمنية، ورفع الحصار الشامل دون قيد أو شرط، والانتقال الشجاع من مربع العدوان إلى مربع الجوار الأخوي والشراكة العادلة القائمة على ندية المصالح والاحترام المتبادل. فمن رحم المعاناة والدمار، ولد يمن جديد لا يقبل الانكسار، ولا يمكن تجاوزه في رسم خارطة مستقبل شبه الجزيرة العربية برمتها.


























