بقلم/ الدكتور حسن حسين الرصابي
لا يبدو أن السؤال ينحصر في تفاصيل ذلك الصك الاستعماري الذي وُهب فيه من لا يملك لمن لا يستحق، بل يمتد ليغوص في الهوة السحيقة بين ما خططه الآخرون لنا، وما صنعناه نحن بأيدينا عبر أكثر من قرن من الزمن.

يقف المراقب لمسار الأمة العربية طوال هذه العقود الممتدة ليجد نفسه أمام تساؤلات مريرة تُؤرق الوجدان: هل استطاع العرب أن يحرروا أرضاً استُلبَت؟ هل نجحوا في توحيد صفٍّ تشتت؟ أم أنهم عجزوا حتى عن الحفاظ على ثرواتهم وثوابت مستقبلهم، ليتراجع الرهان الحضاري وتتقدم النزاعات الضيقة؟
إن قراءة الواقع بلا رتوش تكشف عن حقيقة مؤلمة؛ فبينما كان المفترض أن يشكل هذا التحدي الوجودي دافعاً لجمع الكلمة وبناء مشروع نهضوي جامع، استبدلت معظم الكيانات العربية مواجهة المشروع الاستيطاني والعدوان بالانكفاء على الذات، بل والغرق في صراعات بينية طاحنة. تحولت الإمكانات والقدرات التي كان ينبغي أن تُسخّر لحماية السيادة والكرامة إلى وقود لخلافات جانبية، وغرق البيت العربي في حروب بالوكالة واستنزاف داخلي ألمّ بالأرض والإنسان، حتى غدا بأسهم بينهم شديداً في كثير من المحطات.

وعلى صعيد الثروات والمستقبل، رُحّلت المقدرات الاستراتيجية للأمة في كثير من الأحيان إلى متاهات الاستهلاك والارتهان للخارج، بدلاً من أن تُستثمر في بناء قوة ذاتية وتكنولوجيا مستقلة تُحقق التكافل والاكتفاء. أُهدرت فرص تاريخية لبناء تكتل اقتصادي وسياسي قادر على فرض هيبته وصيانة مقدرات أجياله على المسرح الدولي، لتبقى الأمة مجزأة أمام تكتلات عالمية لا تحترم إلا القوي والمتماسك.

لكن الصدق مع النفس والتأمل الناقد لا يعنيان السقوط في فخ اليأس أو العدمية المطلقة؛ فالصورة، رغم قسوة ملامحها، تحمل بين جوانبها عوامل انبعاث واستمرار. إن الرهان الذي لم يسقط عبر كل هذه العقود هو صمود الشعوب المتمسكة بأرضها وحقها الأزلّي، والحراك الفكري والحيوي الذي ينبعث من تحت الركام كلما ظن المخططون أن القضية قد طُويت أو أن الإرادة قد انكسرت.

إن الدرس الأكبر الذي تمليه علينا الذكرى التاسعة بعد المئة لوعد بلفور ليس الاكتفاء بنكء الجراح ولا البكاء على الأطلال، بل الإدراك الصارم والمباشر بأن الاستعمار ومشاريع الهيمنة ما كان لها أن تتمدد وتترسخ إلا عبر ثغرات تشرذمنا وهشاشة بنياننا الداخلي. إن التحرير الحقيقي للأرض والكرامة لا يبدأ من الشعارات، بل يبدأ من تحرير الإرادة الوطنية والقومية من صغائر الخلافات، وتوقف هدر الطاقات العربية في الحروب البينية التي لا يخرج منها أحد منتصراً سوى خصوم هذه الأمة.

إن بناء المستقبل يتطلب العودة إلى الجذور الحقيقية للقوة: استثمار الثروات الوطنية في مشروع نهضوي شامل، والالتفات الجاد والمسؤول لبناء الإنسان العربي عبر التعليم والبحث العلمي والتمكين الاقتصادي، وإيجاد صيغ حقيقية للعمل العربي المشترك تتجاوز البروتوكولات إلى المصلحة الوجودية الناجزة. لقد مر على وعد بلفور أكثر من قرن كامل، والتاريخ لا ينتظر الغافلين ولا يرحم المتفرجين؛ فإما أن نملك الشجاعة لمراجعة الذات ورأب الصدع لنكون فاعلين في صناعة حاضرنا ومستقبلنا، أو سنبقى مجرد جغرافيا وموارد في خطط الآخرين.

حول الموقع

سام برس