بقلم/ القاضي حسن حسين الرصابي
لقد مرت علينا ذكرى ليلة الإسراء والمعراج، تلك المعجزة الخالدة التي لم تكن مجرد رحلة أرضية وسماوية فحسب، بل كانت محطة فارقة في تاريخ الدعوة الإسلامية، ورسالة ربانية تثبت فؤاد النبي ﷺ والأمة من بعده. تمر علينا هذه الذكرى اليوم والواقع الإسلامي يمر بحالة من التخلخل، والقدس الشريف -مسرى النبي الكريم- يرزح تحت وطأة احتلال صهيوني غاشم، يستهدف هويته بالتهويد، وبنيانه بالحفريات، وقدسيته بالتدنيس، مما يجعل من استحضار معاني هذه الرحلة واجباً وجودياً لا مجرد طقس احتفالي.
أولاً: منحة بعد محنة.. وبشارة لواقعنا
جاءت رحلة الإسراء والمعراج بعد "عام الحزن"، لتكون بمثابة بلسم لجراح النبي ﷺ وتكريماً إلهياً له بعد ما لاقاه في الطائف ومكة. هي درسٌ بليغ في الصبر والمصابرة؛ فكما انبلج نور المعراج من عتمة الحزن، فإن أمتنا اليوم -رغم ما يعتصرها من آلام في سودان الجراح، وليبيا الحائرة، ويمننا الصامد الذي يراد تمزيقه، وسوريا الجريحة، وتهديدات تحيط بإيران- مدعوة لليقين بأن مع العسر يسراً، وأن آفاق السماء تفتح لمن ضاقت به الأرض إذا ما اعتصم بحبل الله المتين.
ثانياً: وحدة الرسالات ومحورية القدس
إن انطلاق الرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وإمامة النبي ﷺ للأنبياء عليهم السلام، تؤكد على:
* وحدة المنبع: فالدين عند الله واحد، والأنبياء إخوة لعلات.
* عقيدة المكان: إن الربط الإلهي بين مكة والقدس هو ربط عقدي أبدي، يجعل من الدفاع عن الأقصى عقيدة لا سياسة، ومن مواجهة الأجندات الصهيونية التي تستهدف المنطقة واجباً شرعياً لحماية هوية الأمة.
* الريادة والقيادة: إمامة المصطفى للأنبياء تعلن انتقال ريادة الهداية البشرية إلى هذه الأمة الخاتمة، وهي ريادة تستوجب منا استعادة زمام المبادرة ورفض التبعية والتغول الأمريكي الصهيوني.
ثالثاً: الصلاة.. معراج المؤمن اليومي
في هذه الليلة، فُرضت الصلاة لتكون صلة مباشرة بين العبد وربه. فإذا كان النبي ﷺ قد عرج بجسده وروحه إلى سدرة المنتهى، فإن لكل مؤمن "معراجاً" روحياً يتجلى في صلاته، يرتفع بها عن سفاسف الأمور، وضجيج الصراعات البينية، وتكالب الأعداء، إلى آفاق الطمأنينة والسكينة التي تمنحه القوة لمواجهة الباطل وتحمل أمانة الرسالة.
رابعاً: الواجب الرسالي والرسالة الوطنية
انطلاقاً من روح هذه الذكرى، وبرؤية تستلهم "الرسالة الوطنية" بمضامينها وموجباتها، يبرز دور العلماء والمفكرين في توحيد الخطاب الديني. إننا بحاجة اليوم إلى خطاب يجمع الشتات، ويوحد الصفوف لمواجهة نهب ثروات الأمة وبطش المعتدين الذين يفرضون الإتاوات ويتغولون على مقدرات الشعوب. إن الوعي الوطني الحقيقي هو الذي يستمد قوته من قيم الحق والعدالة التي رسختها رحلة المعراج، وهو الوعي الكفيل بوقف نزيف الحروب البينية.
ختاماً:
إن الاحتفاء بالإسراء والمعراج اليوم هو استنهاض للهمم واسترجاع للأمانة تجاه مسرى رسول الله ﷺ وتجاه شعوبنا التي تعاني من الظلم وعدم الأمان. نسأل الله أن يعيد هذه المناسبة وقد تحررت القدس، وتوحدت كلمة المسلمين، وحُقنت دماؤهم في كل مكان، وأن يحفظ بلادنا من كل سوء ومكروه.
> "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" صدق الله العظيم. وكل عام وأمة الإسلام بخير وعزة وكرامة.

حول الموقع

سام برس