بقلم/الدكتور حسن حسين الرصابي
لا يقتصر خطر الاستبداد على ممارسة القمع المادي المباشر، بل يكمن خطره الوجودي في "هندسة الوهم"؛ تلك الحرفة الخبيثة التي تهدف إلى قلب الحقائق وتحويل الجلاد في نظر الضحية إلى ملاذٍ آمن. إن الطغيان المعاصر لا يكتفي بإخضاع الأجساد، بل يسعى جاهدًا للسيطرة على الأذهان عبر استراتيجية محكمة تقوم على "صناعة الأزمة ثم احتواء آثارها"، لتبدو النتيجة وكأنها إنقاذ، بينما هي في الحقيقة استكمال لعملية الاستعباد.
الازدواجية المفتعلة: اليد التي تبطش واليد التي تمنح
يعتمد الطغاة مدرسة سياسية قائمة على خلق "الدراما الزائفة"؛ حيث تُصاغ سيناريوهات القهر والتنكيل في الغرف المظلمة، ثم يظهر الطاغية في العلن بمظهر "الأب الرحيم" الذي يتفضل بالعفو والمكرمات. إنها خدعة بصرية كبرى، تجعل من "التوقف المؤقت عن الظلم" يبدو وكأنه فعلٌ من أفعال العدالة.
في هذه المعادلة، تصبح الرحمة المزعومة ليست إلا الوجه الآخر لبطشٍ مُنظم؛ فالمستبد يسرق منك الأمن أولاً، ثم يبيعك "الخوف" لكي تشتري منه "الأمان" بالخضوع. وبذلك تتحول حقوقك الطبيعية إلى "جمائل" يطوق بها عنقك.
نهب المقدرات وتسويقها كصدقات
في الملف الاقتصادي، يتبع الطغيان سياسة "التجفيف ثم التنقيط"؛ فيُنهب الحق العام وتُصادر مقدرات الشعوب وتُجفف منابع عيشها لتتحول إلى ثروات سيادية بيد النخبة الحاكمة. وعندما يبلغ الجوع بالناس مبلغه، وتضيق سبل العيش، تُرمى لهم فتات الموائد تحت مسميات براقة مثل "الإعانات"، "الهبات"، أو "المكرمات".
هنا تُرتكب الجريمة مرتين:
* الأولى: حين سُلب الناس كرامتهم واستقلالهم المادي وحقهم في ثروات وطنهم.
* الثانية: حين أُجبروا على تقديم الشكر والولاء لمن سلبهم، وكأن الحقوق الأصيلة صارت ديوناً أخلاقية في ذمة الفقراء، يتحكم بها المستبد متى شاء وكيفما شاء.
معركة الوعي.. حين تدافع الضحية عن الجلاد
إن النجاح الأكبر لأي نظام استبدادي ليس في تكميم الأفواه أو ملء السجون، بل في "تزييف المعايير" وتدمير البوصلة الأخلاقية للمجتمع. فعندما يغيب الوعي وتُجهل الشعوب، يحدث الخلل القيمي الخطير؛ فتصبح استراحة الجلاد "كرماً"، وصمته عن القتل "حكمة"، وتنازله عن جزء بسيط مما نهبه "سخاءً".
يراهن الطغاة دوماً على "تجريف الذاكرة الجماعية"، لكي ينسى المجتمع أن هذا "المنقذ" الحالي هو نفسه "الصانع" الأول لكل تلك الآلام، وهو المهندس الحقيقي لكل الأزمات التي يتظاهر اليوم بحلها.
الخاتمة: الوعي هو الحصن الأخير
إن وعي الشعوب بحقوقها الطبيعية هو الحصن الأخير الذي تنهار أمامه سيمفونيات الخداع؛ فإذا سقط هذا الوعي، تحول الاستبداد من حالة طارئة منبوذة إلى سلوك مألوف ومقبول، وصار التصفيق للظالم جزءاً من غريزة البقاء لدى المظلومين.
إن الحرية لا تبدأ بكسر القيود الحديدية فحسب، بل تبدأ بفك الارتباط النفسي والذهني مع "الوهم" الذي يصنعه المستبد، وإدراك أن ما يمن به الطاغية ليس إلا جزءاً يسيراً مما سرقه من كرامة الشعب وحقوقه.


























