*تحليل : العميد الركن دكتور/ حسن حسين الرصابي*
في ظل المشهد الراهن بين طهران وواشنطن، يتجسد مفهوم *"ضباب الحرب" (Fog of War)* لكلاوزفيتز بأجلى صوره؛ حيث لم تعد المعركة تُدار بالمدافع فحسب، بل عبر هندسة "عدم اليقين" لكسر إرادة الخصم قبل الطلقة الأولى. إن توظيف الحرب النفسية والدعايات المتناقضة في هذا الصراع يمثل قمة التطبيق العملي لاستراتيجية "إدارة الفوضى".
- أولاً: تكتيك التناقض المعرفي (أسلوب ترامب)
استخدم دونالد ترامب أسلوب التصريحات المتناقضة كأداة لهندسة الفوضى الذهنية. هذا السلوك ليس عشوائياً، بل هو محاولة لخلق حالة من *"التناقض المعرفي"* لدى صانع القرار الإيراني، بهدف دفعه نحو "نقطة الانهيار" الإدراكي. لكن هذا التكتيك يصطدم بصلابة "العناد الاستراتيجي" الإيراني الذي يقرأ هذه التناقضات كدليل على ارتباك الرؤية الأمريكية لا قوتها.

- ثانياً: العقيدة القتالية الإيرانية.. هندسة "الرد الموجع"
تنتقل إيران من مرحلة "امتصاص الصدمة" إلى مرحلة "فرض الكلفة الباهظة". العقيدة القتالية الإيرانية ليست دفاعية سلبية، بل هي عقيدة قائمة على *"تعدد السيناريوهات الجاهزة"*. لقد حضرت طهران ردوداً "موجعة" تتجاوز الأنماط التقليدية، حيث أعدت لكل فعل أمريكي رداً مضاداً مُصمماً بدقة لإحداث ألم استراتيجي لا يمكن للداخل الأمريكي تحمله، خاصة في ملفات الطاقة والأمن الإقليمي.

- ثالثاً: مضيق هرمز.. "قبة القبان" واستحالة الفتح بالقوة
تمثل الجغرافيا في الاستراتيجية الإيرانية سلاحاً لا يقل شأناً عن الصواريخ الباليستية. إن التهديدات الأمريكية بفتح المضيق بالقوة هي تهديدات تصطدم بحقيقة جيوسياسية صلبة؛ فالمضيق هو *"قبة القبان"* في ميزان القوى.
> إن أي عملية عسكرية لفتح المضيق بالقوة لن تفلح، لأن إيران صممت استراتيجيتها على قاعدة "الكل أو لا أحد"؛ فإذا حُرمت إيران من تصدير نفطها، فلن يمر قطرة نفط واحدة عبر هذا الشريان العالمي. إن تحويل المضيق إلى منطقة عمليات عسكرية يعني انتحاراً اقتصادياً عالمياً لن تستطيع التكنولوجيا العسكرية الأمريكية تلافِي تبعاته.
>
- رابعاً: معضلة التفاوض وانسداد الأفق (الاستسلام كخيار مرفوض)
لم تترك الإدارة الأمريكية بضجيجها الحالي لإيران خياراً للتفاوض؛ فالمفهوم الأمريكي للتفاوض اليوم هو مرادف لـ *"الاستسلام المطلق"*، وهو أمر يقع خارج قاموس العقيدة السياسية والقتالية الإيرانية. تاريخ العناد الإيراني يثبت أن الضغط المفرط لا يولد الانكسار، بل يولد "الاحتشاد القومي" خلف القيادة العسكرية، مما يجعل الرد الإيراني القادم لا يخضع لمنطق المساومة، بل لمنطق "كسر العظم".

- خامساً: وهم السيطرة على الإيقاع
يراهن الثنائي (ترامب - نتنياهو) على القدرة على ضبط إيقاع التصعيد عند "حافة الهاوية"، لكن الواقع يثبت أن للحرب *"منطقها الخاص"* الذي يتولد بمجرد الالتحام. الصمود الإيراني أمام "ضجيج اليقين" الغربي يعتمد على قاعدة التكيف؛ فحين تلوّح طهران بامتلاك مفاجآت تقلب السحر على الساحر، فهي تمارس حرباً نفسية مضادة تجعل التكنولوجيا المتطورة عاجزة عن توفير "الحكمة العسكرية" اللازمة لتقدير كلفة المغامرة.

- الخلاصة الاستراتيجية
> إن النصر في هذا الصراع لا يتحقق بالسيطرة المطلقة على الفوضى، بل بالقدرة على الصمود في وجه "اللايقين". لقد أعدت إيران نفسها لأسوأ السيناريوهات، واضعةً نصب عينيها أن استراتيجية "المواجهة الشاملة" هي الضمانة الوحيدة لمنع وقوعها. وكما أكدنا سابقاً: *"من يوقد النار ليحرق خصمه، عليه أن يدرك أن الرياح الإيرانية قادرة على توجيه اللهب إلى صدر من أشعله، فالمفاوضات التي تُبنى على التهديد بالاستئصال لن تجد من الطرف الآخر إلا رداً يزلزل الأركان."*

حول الموقع

سام برس