سام برس
مقدمة القصيدة : صرخة الكبرياء في زمن الانكسار
بين جمر المعاناة ونور الإيمان، يولد الشعر الحقيقي ليكون مرآة للواقع المُرّ، ولساناً لـ "عزيز قومٍ" ضاقت به الأرض بما رَحُبت. في هذه القصيدة التي تفوح بعطر الأنفة المعجون بالوجع، يشرع الشاعر الدكتور حسن الرصابي بوابات قلبه ليتدفق منها أنين وطنٍ استنزفه الصبر، وجرح إنسانٍ يصارع أمواج "عجز القادر".

إنها ليست مجرد ترانيم شعريّة، بل هي "مرافعة إنسانية وقانونية" تهزّ الوجدان؛ تبدأ بالالتجاء إلى قاضي الحاجات ومفرّج الكرب، وتمرّ على تفاصيل المأساة اليومية من ضياع أحلام الشباب وبيع ذكريات العمر من أجل لقمة العيش، وصولاً إلى الفجيعة الكبرى التي تصيب عماد المجتمع (الأسرة) حين يهدّ الجوع صروح المودة والسكينة. ومع كل هذا الوجع، تظل كبرياء النفس المؤمنة متمسكة بحبل الله، منتظرة فرجاً قريباً، متعطرة بالصلاة على المختار وآله الأطهار.

## مَـرْثِـيَّـةُ الـوَجَـعِ.. وَتَـرَانِـيـمُ الـصَّـبْـرِ
### *شعر: القاضي الدكتور حسن حسين الرصابي*
| بِاسْمِ الإِلَهِ جَلِيلِ المُلْكِ ذِي الرُّوحِ | مُفَرِّجِ الكَرْبِ عَنْ قَلْبٍ وَمَجْرُوحِ |
| يَا مَنْ إِلَيْهِ مَـآبُ الـخَلقِ أَجْمَعِـهِمْ | ارْحَمْ عِـبَاداً قَـضَوْا فِي ضِيقِ مَفْتُوحِ |
| مَـوْتٌ يُطِلُّ.. وَأَحْـيَاءٌ بِـلَا رُوحِ | وَالدَّهْرُ يَكْتُبُ آلَامِي بِـمَـجْرُوحِ |
| يَا مَوْطِناً غَاضَ فِيهِ الأَمْنُ وَانْكَسَرَتْ | فِـيهِ الأَمَـانِـي.. وَذَاقَ الـمُـرَّ بِالنَّـوْحِ |
| نَمْشِي عَـلَى الأَرْضِ وَالأَقْدَامُ غَائِرَةٌ | فِـي لُجَّةِ الـقَهْرِ مِنْ هَـمٍّ وَتَـبْـرِيـحِ |
| عَـشْرٌ عِـجَافٌ أَكَـلَـتْ لَـحْمَ عِـزَّتِـنَا | وَالـصَّـبْرُ فِـينَا غَـدَا نَـزْفاً لِـمَـقْرُوحِ |
| بِـعْـنَا "الحُلِيَّ" لِـكَيْ نَقْتَاتَ لُقْمَتَنَا | وَزِيـنَـةُ الـعُـمْرِ ذَابَـتْ فِي التَّبَارِيحِ |
| مَا كَانَ تِبْـراً.. وَلَـكِنْ كَـانَ ذَاكِـرَةً | مَـبِيعَةً فِـي مَـزَادِ العُـسْـرِ وَالشُّـحِّ |
| يَا لَهْـفَةَ الأَبِ.. وَالأَبْـنَاءُ قَـدْ كَبُـرُوا | وَعِـلْـمُـهُمْ صَـارَ قَـيْداً لِـلْـمَـطَامِيحِ |
| نَالُوا الشَّهَادَاتِ حَتَّـى رِيـحُهُمْ رَكَدَتْ | وَصَارَ مَوْرِدُهُمْ مُرَّ التَّبَارِيحِ |
| تَبْكِي الـبُـيُوتُ إِذَا مَـا انْهَارَ مَسْـكَنُهَا | بِـكَلِمَـةٍ قِـيـلَـتْ فِي صَـمْتِ تَـجْرِيحِ |
| "طَلِّقْ فَـإِنِّي رَأَيْتُ الـجُـوعَ يَقْـتُلُنَا" | يَا لَلْفَجِيعَةِ فِـي هَـدْمِ الـصُّـرُوحِ! |
| بَـيْـتٌ تَـهَاوَى.. وَمَـوَدَّاتٌ قَدِ انْصَرَمَتْ | لَا لِـلْـجَـفَاءِ.. وَلَـكِنْ بَـعْدَ تَقْرِيحِ |
| نَـحْـنُ الَّـذِينَ نَـعِيشُ الـمَوْتَ فِي حَيٍّ | وَنَـرْقُبُ الـفَـجْرَ فِـي لَيْلِ التَّبَارِيحِ |
| ضَاقَتْ بِنَا الأَرْضُ وَالأَبْـوَابُ مُـوصَدَةٌ | وَالْـقَـهْرُ أَوْرَثَـنَا سَـكْـتَاتِ تَجْرِيحِ |
| فَـيَـا غِـيَـاثَ الـوَرَى مِنْ كُـلِّ نَائِبَةٍ | اجْـعَـلْ لَـنَا فَـرَجاً مِنْ بَـعْدِ تَلْمِيحِ |
| ثُـمَّ الـصَّـلَاةُ عَـلَى الـمُـخْتَارِ سَيِّدِنَا | مَا نَـاحَ طَـيْـرٌ بِـآلَامٍ وَتَـسْبِيحِ |
| وَآلِـهِ الـغُـرِّ مَـنْ طَـابَـتْ مَـنَاقِـبُـهُمْ | مَا هَـبَّ نَـسْـمٌ بِـرَيْـحَـانٍ وَتَلْوِيحِ |
## القراءة التحليلية والنقدية: تشريح الوجع السردي والجمالي
### أولاً: البنية الموضوعية والدلالية (سيميائية الفجيعة)
انطلقت القصيدة في بنائها الهيكلي من *الخاص الإيماني إلى العام المجتمعي ثم إلى المطلق الغيبي*؛ بدأت بالابتهال الخاشع كعتبة وجدانية ويقينية لا غنى عنها للمؤمن عند اشتداد الخطوب، ثم انثنت لتشرح البعد الجمعي للمأساة عبر ثنائية (الوطن / الإنسان).

* *سحق الذاكرة والمستقبل:* نجح الشاعر بكفاءة وسردية عالية في التقاط أدق تفاصيل المعاناة المعيشية. فصورة بيع "الحُلي" لم تقف عند حدود الضيق المادي، بل تعدتها بلاغياً لتصبح "بيعاً للذاكرة" وخدشاً لزينة العمر وجماله. ثم ينتقل لضربة موضوعية موجعة أخرى وهي "عطالة الخريجين"، حيث يتحول العلم والشهادات الأكاديمية بفعل الركود والواقع الصعب من وسيلة رفعة إلى قيدٍ للمطاميح، وموردٍ مرير يجسد حجم الحرمان والأسى المعيشي.
* *مشهد الانهيار الأسري الدرامي:* يبلغ النص ذروته التراجيدية في بيت الفجيعة المتمثل في الحوارية الزوجية القاسية: "طلّق فإني رأيت الجوع يقتلنا". هنا يرتفع النص من مرثية ذاتية خافتة إلى مأساة اجتماعية صارخة تهز أركان السلم الأهلي، وتدق ناقوس الخطر حول مآلات العوز المادي وتأثيره المدمر على أقدس الروابط الإنسانية (صروح المودة والبيوت).

### ثانياً: البنية الجمالية والتشكيل البلاغي
* *العاطفة والصدق الفني:* تميزت العاطفة في النص بالحرارة والتدفق، فهي عاطفة صادقة تنضح بمرارة حقيقية تخلو من التكلف والزخرف اللفظي المصطنع؛ لأن الوجع الحقيقي يأنف من التزويق الفكري، ويبحث عن التعبير المباشر والمؤثر.
* *الصور البيانية المبتكرة:* أبدع الشاعر حسن الرصابي في صياغة استعارات مكنية وتشخيصية بالغة الأثر، مثل: (الدَّهر يكتب آلامي بمجروح) حيث جعل الدهر كاتباً والآلام مادة مكتوبة بالدم، و*(عشر عجاف أكلت لحم عزتنا)* وهي صورة مستوحاة من الموروث القرآني التاريخي (سنوات القحط) لتجسيد طول أمد المعاناة، وصورة (تبكي البيوت إذا ما انهار مسكنها) التي منحت الجماد حساً بشرياً قادراً على البكاء والتألم أمام تصدع جدران المودة.
### ثالثاً: الملاحظات النقدية والتقييم الفني
* *البناء العروضي والموسيقي:* كُتبت القصيدة على بحر البسيط بوزنه وتفعيلاته (مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن)، وهو بحر رحب جليل يتسع لبث الهموم والشكوى، ويمنح الشاعر نفساً ممتداً للجمع بين السرد القصصي والتأمل الوجداني.

* *روعة القافية والتحول السيكولوجي:* التزم الشاعر بقافية الحاء المكسورة المسبوقة بمد (بمجروحِ / النَّوحِ / التباريحِ). وهذا الاختيار مبرر سيكولوجياً؛ فحرف الحاء المكسور يخرج بنبرة تشبه "الآهة" والزفير الساخن، وهو ما يخدم تماماً مناخ الاختناق والضيق النفسي والواقعي الذي يعالجه النص.

* *التكرار الدلالي الموجه:* جاءت الكلمات ذات الظلال المؤلمة مثل (التباريح، تجريح، تبريح) لتعكس الحالة النفسية للمبدع؛ حيث يمثل هذا التناغم اللفظي "الدوران حول مركز الوجع" وعدم قدرة الذاكرة المثقلة على الانفكاك من وطأة الألم الحاضر.

## الخاتمة: انبثاق الفجر من رحم العتمة
تختتم هذه الروائع بمسك التوحيد والتسليم، حيث يئوب الشاعر من فضاء الشكوى إلى محراب الصلاة والدعاء، مستمطراً فرج الله بالصلاة على المصطفى المختار وآله الأطهار. إنها قصيدة حيّة ونابضة، لم تقف عند حدود رصد المعاناة السطحية، بل وثّقتها بدم القلب والوجدان، لتظل صرخة في وجه واقعٍ مرير، تذكرنا دائماً بأن كرامة الإنسان وتماسك الوطن هما الصرحان اللذان يجب ألا ينهدّا مهما بلغت الأنواء وعصفت الرياح العجاف.

حول الموقع

سام برس